الشهر: سبتمبر 2023

الدكتور مدحت حماد: تحديات انتخابات الرئاسة المصرية 2024؟ (4/4)

الرئيس السيسي هو "القاسم المشترك" في مكونات المشهد الداخلي المصري.

مثلما انتهينا في الحلقة السابقة، فإن جميع المعادلات الخاصة بإنتخابات الرئاسة المصرية ترتبط بشكل مباشر بعوامل رئيسية ثلاث هي:

1- شخص الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه.

2- سياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه، الداخلية والخارجية على السواء.

3- إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه للقضايا والأزمات القومية.

السبب المباشر لربط جميع عناصر ومكونات المشهد الانتخابي المصري بشخص "الرئيس عبد الفتاح السيسي"، هو تلك السلطات والصلاحيات الدستورية المرتبطة به ارتباطًا مباشرًا من جهة، وتصدره الدائم للمشهد اليومي المصري داخليًا وخارجيًا من جهة أخرى، لدرجة أنه قد تدخل بنفسه في قضايا الحياة اليومية للمصرين مثل "سعر ووزن" رغيف العيش المدعم، حاملاً على عاتقه ما كان يجب أن يقوم به رئيس الوزراء أو وزير التموين، وهو الأمر الذي يفسره الناس دومًا في الشارع المصري، بأنها رغبة الرئيس نفسه، وأن عدم تناول مثل هذه القضايا من جانب غيره من المسئولين، وعلى النحو الذي يفعله الرئيس بشخصه، إنما هو نتيجة تعليمات أو إلتزامًا بتوجيهات رئاسية.

شواهد من الوضع الداخلي

على أية حال.. أصبحنا نقترب جميعًا من عام 2024، وحتى الآن الوضع الداخلي كما يلي:

1- همهمات هنا وهناك حول المنافس المنتظر للرئيس عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية القادمة.

2- تخمينات هلامية بشأن الأحزاب التي ستدعم المنافسين للرئيس السيسي، وهل سيكون لديها جرأة المنافسة الحقيقة أم لا؟ وهل أصلاً سيكون لها ظهير شعبي أم لا؟

3-اشاعات هنا وهناك أن الحكومة ربما تبدو في مشكلة بخصوص القدرة على إقناع المصريين بأنهم سيكونون بصدد انتخابات رئاسية حقيقية.

4-اشاعات هنا وهناك بشأن دور المؤسسة العسكرية في المشهد الرئاسي القادم، استنادًا لظاهرة "تعاظم دورها" في معظم مناحي الحياة المصرية.

5-تسريبات هنا وهناك بشأن عودة أبناء "الرئيس مبارك" للمشهد السياسي الرئاسي، ثم خروج أحد نواب مجلس النواب ليتناول في برنامجه التلفزيوني قضية "الحق في عودة الذين تم تقييد حقوقهم السياسية لمدة خمس سنوات، ومن ثم عدم حقهم في العودة مجدًا للحياة السياسية عبر الترشح للإنتخابات الرئاسية. (عن الأستاذ مصطفى بكري، والسيد جمال مبارك، أتحدث).

6-ترويج سيئ النوايا لظهور "المهدي السياسي المنتظر" الذي سيخلص مصر مما هي فيه. (عن أحمد طنطاوي أتحدث)، وأنه سيرجع إلى مصر من منفاه الإختياري!! من أجل إنقاذ مصر والمصريين.

7-انتشار خزعبلات هنا وهناك بشأن تدخل دول عربية خليجية لمناصرة ودعم بعض الشخصيات المصرية، للترشح أمام الرئيس السيسي في الانتخابات القادمة.

8-البلبلة التي ارتبطت بـ "الواقعة اللندنية للإعلامي عمرو أديب" عندما قام ببث فيديو من لندن يتناول فيه الأوضاع الداخلية في مصر، بشكل أحدث صدمة حقيقية لدى المصريين وغير المصريين.

عشرات وعشرات الأحداث والمواقف المختلفة، التي إن دلت على شيئ إنما تدل على "عِظَمة وعَظَمة" الحدث، أي الإنتخابات الرئاسية القادمة، ولما لا وهي ترتبط بأكبر دولة اقليمية عربية افريقية شرق أوسطة هي مصر. ليبقى السؤال كما هو: إذًا ما الحل؟

نعم، ما الحل؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال، يجب أن نسأل أنفسنا أولاً: أصلاً، لماذا وقعنا في هذه المصيدة/الأزمة السياسية؟ مَن الذين تسببوا في أن نقع فيها على النحو الذي نعيشه الآن؟

الحقيقة أنني أعتبر أن الجميع متشاركون أو لنقل شركاء متضامنون _ حتى دون إرادة أو إتفاق_ فيما وصلنا إليه بخصوص الانتخابات الرئاسية القادمة، وعلى رأس هؤلاء وفي مقدمتهم، الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه، مرورًا بالسلطة التشريعية وانتهاءًا بالأحزاب سواء تلك التي استأسدت استنادًا لمؤازرة بعض القيادات العسكرية السابقة، فما كان منها إلا أنها أخذت تدير المشهد السياسي وكأنها الظهير الوحيد، المناصر الوحيد، الداعم الشعبي الوحيد و... و... الوحيد للرئيس السيسي، وكأنها هي الأحزاب الوطنية الوحيدة المنوط بها حماية الرئيس، النظام بل وحماية الوطن نفسه! نفس الثقافة والقناعات والمنهج والأداء السمج الذي كان عليه الحزب الوطني الديموقراطي، أو تلك الأحزاب التي رضيت بالتهميش لضآلة وجودها في الشارع، أو قبلت بالتهميش مقابل صفقات نيابية اقتصادية هنا أو هناك، أو خضعت للتهميش انكسارًا نتيجة لعوار ما ربما أصاب بعض رموزها أو قادتها، فما كان من هؤلاء جميعًا إلا إلتزام الصمت، وإلا؟ طبعًا هذا بجانب جموع المصرين التي عادت من جديد إلى "الكنبة"، يأسًا أو خوفًا أو انكسارًا أو ترقبًا، أو...

لهذا فمن الطبيعي أن يدفع الجميع فاتورة ما حدث طوال السنوات التسع السابقة، وما نتج عن ذلك من فقدان الفرص والوقت التي كانت متاحة أمام ولدى الجميع للإستعداد للإنتخابات الرئاسية 2024.

أعود لأطرح السؤال مرة ثالثة وأخيرة، وأقول: إذًا ما الحل؟

نحو "صفقة توافقية" بين الرئيس وبين القوى والمؤسسات السياسية المصرية،

الحل هو الوصول إلى "صفقة توافقية" بين الرئيس وبين القوى والمؤسسات السياسية المصرية، يكون من شأن هذه الصفقة تحقيق ما يلي:

1- اعلان فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بولاية رئاسية جديدة من جانب عموم المصريين بالتذكية.

2- تعهّد الرئيس عبد الفتاح السيسي بعدم القيام بأي تعيل دستوري مستقبلي يتيح له الترشح من جديد لرئاسة الجمهورية بعد عام 2030.

3- تعهّد الرئيس عبد الفتاح السيسي بإجراء انتخابات المحليات في الربع الثالث من عام 2024، مع تعهده بضمان نزاهتها.

4- تعهّد الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن تكون هناك انتخابات نيابية حقيقية بعد 2024 واتاحة الفرص الحقيقية لظهور الشخصيات القيادية التي تكون جديرة بالتنافس في انتخابات رئاسة الجمهورية في عام 2030 وأن يكون هو الضامن لإجرائها ومراقبة نزاهتها،.

5-تعهّد الرئيس عبد الفتاح السيسي بتشكيل حكومية وطنية، تضم كوادر قيادية حزبية، من أجل إشراكها في إدارة شئون الدولة وتحمل المسئولية من جهة، ويكون هدفها الأول هو كبح جماح التضخم والأزمة الاقتصادية، وضمان تحقيق الاستقرار الاقتصادي للمصريين بما يؤدي إلى خلق الوقت والفرص اللازمة كي يشارك المصرييون بفاعلية في الحياة الحزبية التي هي أولى خطوات الطريق نحو انتخابات محلية، نيابية ورئاسية حقيقية.

حقيقتان وكلمة أخيرة لله وللوطن، لعل..؟

الحقيقة التي لا شك فيها، هي أن جميع المقالات الأربع التي كتبتها في هذا الشأن، إنما انطلقت من ثوابت وطنية راسخة في نفسي رسوخ الجبال، وقناعتي الشخصية بأن الإعتراف بالأزمة هو البداية الصحيحة لحلها، وإيماني المُطلق بأن المبادرة الطوعية من جانب أولى الأمر، من شأنها وأد الفتن والثورات والاضطرابات، وهو نفس ما كنت قد حذرتُ الحزب الوطني منه في مؤتمره الذي عقده عام 2005 بفندق رمسيس هيلتون حول التعديلات الدستورية التي كان قد اقترحها الرئيس مبارك في 2005 من أجل اجراء الانتخابات الرئاسية بعيدًأ عن الاستفتاء، ومن خلال الانتخابات المباشرة بمشاركة أكثر من مترشح. آنذاك، وبينما كنتُ أشارك في الجلسة التي كان يديرها الأستاذ رفعت سيد أحمد، وتتحدث فيها الدكتورة منى مكرم عبيد، قمتُ بتقديم اقتراح لحل حالة الإختناق السياسي المستحكم في مصر حلاً جذريًا دائماً، ووضعت هذا الإقتراح _الذي كان على شكل مبادرة_ تحت عنوان: لكي لا تولد الفتنة في مصر. ما حدث أن أحدًا لم يسمع، فما كان إلا أن اشتعلت ثورة 25 يناير2011.

الحقيقة الثانية التي لا شك فيها عندي، هي أن المشهد السياسي الراهن في مصر يشبه إلى حدٍ كبير ما كان قد تبلور في مصر عقب ظهور حركة كفاية بصفة عامة، واعتصامات القُضاة بصفة خاصة.

هل تصبح "التحديات" سببًا ومصدرًا "للتهديدات"؟

لهذا فإن جمييع ما قلته في هذا الصدد، إنما أقوله لوجه الله، وللوطن، وكذلك للتاريخ، لعل كلامي يصل وبسرعة الضوء إلى مَن يهمه الأمر في هذا الوطن، ذلك أن التغافل عن حقيقة وجوهر المشهد الساسي الداخلي، أو الإستخفاف به والإنتقاص منه، إنما يشكِّل البيئة الخصبة لنمو واستقواء وتعاظم خطر "التهديدات" التي ستكون بكل تأكيد قادمة من الخارج، متكئة ومنطلقة من كافة أشكال الفشل والإخفاق المتعلقان بإدارة ومجابهة "التحديات الداخلية".

كلمة حتمية لازمة.

د. مدحت حماد: نحو "صفقة توافقية" بين الرئيس وبين القوى والمؤسسات السياسية المصرية

في النهاية، تبقى كلمة حتمية لازمة مفادها، أنه لا يجب أن يقول البعض لنفسه إنني من خلال هذه المقالات الأربع، أعادي الرئيس، وأنكر ما تحقق من منجزات على أرض الواقع في الكثير من المجالات والقطاعات أو أنني أنكر الدور الذي لعبته الأزمات الدولية التي يشهدها العالم منذ أربع سنوات، صحيًا (أزمة كورونا)، عسكريًا وأمنيًا (الحرب الروسية الأوكرانية وغيرها) اقتصاديًا (الغذاء والطاقة)، فضلاً عن مجابهة الدولة المصرية للإرهاب والتنظيمات الإرهابية التي كانت معشعشة في الشارع والأحياء المصرية منذ عقود، هذا رغم يقيني بأن ثمة سياسات أخرى كان من شأن القيام بها الحد من بلوغنا الأزمة المتعلقة بالانتخابات الرئاسية القادمة بما يؤدي في النهاية تعظيم المدركات والمكاسب السياسية وغير السياسية في ربوع مصر، وعلى مستوى جميع المصريين.

والله الموفق.

اللهم احفظ مصر، اللهم احفظ مصر.

إنتهى.

أ.د. مدحت حماد

الدكتور مدحت حماد: تحديات انتخابات الرئاسة المصرية 2024؟ (4/3)

في هذه الحلقة سوف نتناول أحد أهم التحديات الرئاسية الخاصة بإنتخابات الرئاسة المصرية 2024. فكما سبق القول كانت ولازالت هناك مجموعة من التحديات التي قد تنال من النتائج الخاصة بهذه الانتخابات، بل وربما قد تكون سببًا للحد من المشاركة الشعبية من جانب جموع المصريين، والأكثر من ذلك أن تصبح سببًا مباشرُ للنيل من الشرعية السياسية للرئيس عبد الفتاح السيسي عند أو عقب الإعلان عن فوزه في هذه الانتخابات بولاية رئاسية جديدة.

هل الرئيس السيسي هو التحدي الأكبر للرئيس السيسي؟

قد يبدو هذا السؤال غريبًا للبعض من السادة القراء، لكنه من وجهة نظر الكاتب سؤال مُبَرَّر بل ومنطقي، وذلك للكثير من الأسباب منها:

1- الجدل الكبير الذي أصبح قائمًا بين المصريين سواء حول شخصية الرئيس أو حول سياساته وبالتالي العمل والأداء الحكومي طوال السنوات الثمان الماضية.

2- الانقسام الشديد الذي أصبح قائمًا بين الكثير من المصريين بين مؤيد ومعارض، بشأن ضرورة استمرار الرئيس لست سنوات قادمة.

3- الترقب أو لنقل الغموض _المصحوب بالحذر والخوف_ تجاه الأوضاع المعيشية الاقتصادية للمصرين في حال استمرار الرئيس في الحكم لفترة رئاسية جديدة.

4- الترقب أو لنقل الغموض _المصحوب بالحذر والخوف_ تجاه نوايا الرئيس، بل وجميع مكونات النُخب المحيطة بالرئيس، بشأن ميلاد رغبة جديدة لإجراء تعديل دستوري _على غرار ما فعله الرئيس نفسه منذ ست سنوات_ بهدف اتاحة الفرصة الدستورية له للبقاء في السلطة بعد 2030.

الرئيس السيسي هو "التحدي الأكبر" للرئيس السيسي.

نتيجة لجميع هذه المعطيات/الأسباب، أصبح الرئيس السيسي هو "التحدي الأكبر" للرئيس السيسي في الإنتخابات الرئاسية القادمة. أيضًا من الممكن أن نضيف إلى جميع ما سبق، العوامل والأسباب التالية:

1- "الحيرة" المصحوبة بالدهشة _أو الصدمة لدى الكثيرين_ تجاه جوهر شخصية الرئيس السيسي نفسه، وهي الحيرة التي خلقتها وتجسدها كلماته وتصريحاته هو نفسه مثل: "إحنا فقرا أوي. أنا مش لاقي أعلِّم، مش لاقي أأكل، مش لاقي أعالج!! مقابل: أيوا ببني قصور، وهبني قصور!!!"

2- تراجع معدلات الثقة في وعود الرئيس نفسه فيما يخص الحياة اليومية للمواطنين، ففي البداية طالب الناس بالصبر 6 شهور، ثم عام، ثم الصبر حتى عام 2020، وأمَّا قال للمصريين اصبروا، وهتشوفوا العجب العجاب"، مقابل جميع هذه التصرحات تضاعف رهيب في معدلات التضخم، انهيار الجنيه، ارتفاع جنوني في الأسعار، خصوصًا أسعار السلع والخدمات، انبوبة البوتاجاز بدلاً من 6 جنيه، 10 جنيه، وصلت إلى 120 جنيه، كيلو البصل بدلاً من جنيه، اتنين جنيه أصبح 25 -30 جنيه!!! كيلو الأرز من 3 جنيه إلى 25 -30 جنيه، ولتر الزيت حدث ولا حرج، وكذلك اللحوم والأسماك رغم أنه قد أصبح في مصر أكبر مزارع سمكية. الحقيقة أن الشكوك التي أحاطت بنوايا الحكومة وهي تدير أزمة الأعلاف التي أسفرت عن تضاعف أسعار الدواجن 200% خلال أقل من ستة أشهر أصابت الجميع بالذهول والجنون والصدمة والشك المطلق في نوايا الحكومة تجاه الناس، وهو الأمر الذي جسدته جميع الاشاعات التي انتشرت انتشار النار في الهشيم طوال تلك الأزمة، هذا بخلاف قيام الرئيس نفسه بالإعلان عن وجود أخطاء في الحسابات الخاصة ببعض المشروعات التي أُطلق عليها مشروعات قومية مثل مشروع مدينة دمياط للأثاث.

3- الجمود الغريب في الحياة السياسية والحزبية المصرية، بشكل أصاب الجميع بالصدمة والذهول. فبعد حِراك سياسي نوعي غير مسبوق في الحياة السياسية المصرية شهدته مصر بين 25 يناير ويونيو 2014، ولأول مرة بعد ثورة 23 يوليو، تصمت الحياة الحزبية الحقيقة وتنشق الأرض عن "أحزاب كبرى برائحة عسكرية" تدير المشهد السياسي برمته بنظام التوافق وتقاسم "التورتة"، ليُصاب المصرييون بـ "اختناق سياسي" يذكرهم بما كان عليه الأمر بين عامي 2005 و2010، أي منذ ظهور حركة "كفاية" وحتى "الجريمة السياسية الوطنية الكُبرى" التي قام بها الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانية في 2010، الأمر أدى إلى الإنفجار ومن ثم "ثورة 25 يناير 2011"، التي كانت أول ثورة شعبية حقيقية من نوعها منذ ثورة 1919م.

4- القضايا الحيوية الإستراتيجية المصيرية المرتبطة بمصر والمصريين وعلى رأسها: قضية "سد النهضة" وقضية "تيران وصنافير". حيث نالت هاتان القضيتان كثيرًا من "مصداقية الحكومة" من جهة، ومن "معدلات ثقة الكثير من قطاعات المصريين في شخص الرئيس نفسه، وهي الثقة التي كانت قد بلغت عنان السماء في الفترة من 2013 وحتى 2016، وهي القضايا التي تم استغلالها أحسن استغلال من جانب أعداء الرئيس بصفة خاصة وأعداء الوطن بصفة عامة، وعلى رأسها التنظيم الإرهابي لجماعة الإخوان المسلمين.

5- التراجع الغريب المثير لعشرات بل ومئات التساؤلات بخصوص مواقف الحكومة بصفة عامة والرئيس السيسي نفسه بصفة خاصة، وذلك بشأن موقف "الدولة المصرية" من بعض الدول والقوى الإقليمية وعلى رأسها بالطبع قطر وتركيا، وهو ما يذكِّر الجميع بمواقف المملكة العربية السعودية تجاه هاتين الدولتين من جهة، وتجاه إيران وسوريا من جهة أخرى، الأمر الذي يصيب "المصداقية" في مقتل، خصوصًا إذا ما توقفنا عند أمر بسيط للغاية وهو أن كل هذا العداء والتراجع عنه والتحول للأحضان والقبلات السياسية إنما قد حدث في فترة لم تتجاوز بضع سنوات فقط في عصر الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، أي في عصر كل نَفَس فيه مرصود ومُدَوَّن ومسجل ولازال راسخًا في أذهان وعقول وضمائر ووجدان الأفراد والشعوب على اختلافهم.

الرئيس عبد الفتاح السيسي هو "المشكلة" وهو "الحل".

جميع ما سبق يرتبط مباشرة بما يلي:

1- شخص الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه.

2- سياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه، الداخلية والخارجية على السواء.

3- إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه للقضايا والأزمات القومية.

إذًا.. ما الحل؟

هذا ما سيتم عرضه وذكره في الحلقة القادمة إن شاء الله.

اللواء شوقي صلاح: ماذا وراء مشروع ممر “الهند/أوروبا”؟

طرحت الولايات المتحدة الأمريكية على هامش قمة مجموعة G20 بنيودلهي (سبتمبر٢٠٢٣) مشروع طريق "الهند/أوروبا". يتلخص هذا المشروع في إنشاء "خط ملاحي بحري/ بري" لربط الهند والدول المجاورة لها بأوروبا، من خلال خط ملاحي يبدأ من موانئ "الهند" وصولا لموانئ "دولة الإمارات العربية"، ثم يتم نقل الحاويات بخطوط "للسكك الحديدية" تقطع مسارها أراضي الإمارات ثم "المملكة العربية السعودية"، وصولا للمملكة "الأردنية"، وأخيرًا "إسرائيل". حيث يتم شحن البضائع مرة أخرى بسفن من موانئ الأخيرة حتى "اليونان"، ثم تنقل حاويات البضائع عبر "خطوط للسكك الحديدية اليونانية" وصولا لباقي دول أوروبا.

لا شك أن المشروع سيتضمن في جانب منه نقل الركاب لأغراض سياحية وغيرها.. كما أنه يتضمن في جانب آخر إنشاء بنية تحتية لخدمات التكنولوجيا الرقمية، وكذا إنشاء خطوط لنقل الطاقة.. ورغم أن المشروع تمت الموافقات المبدئية عليه من قبل الدول المعنية، إلا أن تكلفته التقريبية لم يعلن عنها بعد.. ومع هذا فإنه مشروع طموح، وغالبا ستتجاوز تكلفته التريليون دولار.

هذا ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتحمل الجانب الأكبر من تكلفة المشروع، وبالتالي ستجني في المقابل النسبة الأعظم من العوائد، وستتولى الهند - عضو مجموعة البريكس- مهمة إنشاء خطوط السكك الحديدية للمشروع.

هذا، ومنذ الإعلان عن المشروع فقد أفاض المحللون والخبراء في ذكر أهميته وتأثيراته الاقتصادية والتجارية، ولا نريد في هذا السياق تكرار تلك المشاركات، لذا سيقصر رأينا التحليلي على زاويتين جوهريتين لما وراء المشروع:

الأولى: نرى أن الباعث الأساسي وراء المشروع الأمريكي المشار إليه هو: "تمكين الدولار" والتأكيد على الاحتفاظ به باعتباره العملة الأساسية على المستوى الدولي، فالهند - العضو المؤسس لتحالف البريكس- وغيرها.. عندما تتقاضى مبالغ طائلة من الدولارات الأمريكية ستكون حريصة كل الحرص على احتفاظ الدولار بقيمته السوقية العالمية، كما أن الولايات المتحدة من جانب آخر ستتبوأ مركز الصدارة بين الرابحين من المشروع، نظرا لأنها ستجنى عوائد هائلة تشترط بأن تكون "دولارية" وذلك فور تشغيل المشروع. لذا، فعلى الدول المشاركة الانتباه لأهمية اتخاذ ما يلزم لتقوية عملاتها أيضا، وذلك على ضوء أحكام التعاقد النهائي للمشروع، فالتفاوض في هذا المقام سيكون لفريق متعدد التخصصات: قانوني/ اقتصادي/ مالي/سياسي/ تجاري.
وتجدر الإشارة إلى أن الصين لن يمكنها السكوت إذاء هذا، فغالبًأ ما ستقابل هذا النشاط بتحركات مضادة لمواجهة هذه الهيمنة الأمريكية، وربما يتم ذلك من خلال الاسراع بوتيرة ومعدلات التنفيذ الخاصة بمشروع "الحزام والطريق" وفقا لمعطيات الموقف الراهن
.

شاحنة الحاويات العملاقة "إيفر جرين"
تعطل الملاحة بقناة السويس (مارس 2021)

الزاوية الثانية لمشروع ممر " الهند/أوروبا": هو المتعلق بتأثيره المرتقب على قناة السويس، وبإيجاز فمن المؤكد أن الممر سيأخذ حصة من كميات البضائع التي تنقل من خلال القناة، إلا أنه نظرا لكون تكاليف نقل البضائع من خلال مراحله المتعددة، سيصبح مكلفًا جدا مقارنة بنقلها عبر قناة السويس، لذا فمن المؤكد أن هيئة قناة السويس سترفع رسوم العبور من جانبها، وسيعوض هذا قدر الفاقد من البضائع التي ستنقل باستخدام ممر "الهند/أوروبا".

من الجدير بالذكر أن هناك ادعاءات صدرت عن السيد آموس هوكستين كبير مستشاري الرئيس الأمريكي خلال لقائه مع سكاي نيوز عربية صرح فيه بأن مشروع الممر "سيغير قواعد اللعبة في المنطقة" حيث تكلفته الأقل بشأن نقل البضائع !!! وهي تصريحات تخالف المنطق من حيث تكلفة نقل البضائع.. ولكن، أتفهم تصريحه في إطار أن: هذا الممر يمكن أن يكون – بالنسبة لنقل البضائع – احتياطيا لقناة السويس، في حالة لا قدر الله تعطلت الملاحة فيها لسبب أو لأخر.. وهو ما يمكن أن يقوم به أيضًا الممر المصري "العريش طابا".

هذا، كما فاجأت مصر الجميع مؤخرا باستئنافها مد خط السكة الحديد "العريش/طابا" لوأد أي منافسة لمشروعات تضر بقناة السويس، حيث سوف يعزز جهود تنمية سيناء، كونه سيساهم في نقل المواد الخام الموجودة بسيناء لخطوط الإنتاج من ناحية وإلى موانئ التصدير من ناحية أخرى، لذا أعتقد بأن قناة السويس ستظل الممر الأهم على المستوى الدولي.

عضو هيئة التدريس بأكاديمية الشرطة المصرية

خبير مكافحة الإرهاب ورئيس برنامج الدراسات الأمنية

بمركز الفارابي للدراسات والتدريب

اللواء شوقي صلاح: بايدن يهدد أوروبا.. وبوتين يستعد لدخول كييف

أزمة لاجئي أوكرانيا هل تتحول لقنبلة موقوتة؟

     أعداد اللاجئين الأوكرانيين منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وفقا للبيانات الإحصائية الصادرة عن الأمم المتحدة، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، على النحو الآتي: 5834100 المسجلون في أوروبا، وعدد 369200 المسجلون خارج أوروبا (منهم ما يجاوز المائة ألف لاجئ في الولايات المتحدة الأمريكية). إضافة إلى عدد 5,088,000 نازحًا داخلياً في أوكرانيا، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة. وانتشرت تسريبات صحفية تشير إلى أن بايدن طالب قادة أوروبا بالمزيد من المساعدات العسكرية لأوكرانيا، مهددًا بأنه في حالة هزيمة أوكرانيا فإن على أوروبا الوضع في الاعتبار ما يمكن أن يرتكبه اللاجئون الأوكران من جرائم إرهابية ضد الدول الأوروبية كرد فعل لعدم وفائها بتقديم المساعدات اللازمة لمواجهة الجيش الروسي.. !!! ورغم أن رد الفعل هذا مستبعدًا وفقًا للمنطق العادي للأمور.. إلا أن الرئيس بايدن تجاهل أن العالم بأسره وفي مقدمتهم الشعب الأوكراني، موقن بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الرأس المدبر للزج بأوكرانيا في صراع مع الدولة الروسية، لذا فإن رد فعل الأوكران الذي هدد به بايدن أوروبا سيشمل المصالح الأمريكية بالطبع.. هذا بفرض أن تهديده تحقق على أرض الواقع.

الحرب الأوكرانية فخ أمريكي.. الطُعم فيه أوكرانيا:

    ويسعى الرئيس الأوكراني جاهدا ومنذ بدء الغزو الروسي لبلاده لإقحام الناتو في الصراع بشكل مباشر، فالأوكران أصبحوا الآن على يقين أن الناتو يتاجر بأرواحهم.. ويمنحهم السلاح بشق الأنفس، بل وأحياناً بأسلوب مذل.. رغم أن مصالح هذا الحلف في هزيمة روسيا تتجاوز ببعيد مصالح الدولة الأوكرانية، وإن كنت في موقع الشعب الأوكراني فمن حقي أن أتساءل: لماذا لا يمنحنا الناتو أغلى ما يملك من السلاح التقليدي؟ خاصة وأن المعركة معركتهم أيضًا ولا يجب أن تتحملها أوكرانيا وحدها بالوكالة.

وغني عن البيان أن أوروبا والولايات المتحدة تتلكأ في إرسال أسلحتها الأكثر تطورًا خشية انهيار الجيش الأوكراني واستيلاء القوات الروسية عليها.. كما أنهم يحرصون كل الحرص تجنب المواجهة المباشرة مع روسيا.. ولكن إلى متى سيستمر نزيف الخسائر الأوكراني؟؟؟

مشهد من أحداث القصف الروسي لكييف

الهجوم الروسي المضاد والتحرك لإسقاط كييف:

    صريح الرئيس بوتين منذ يومين؛ بأن أوكرانيا خسرت في هجومها المضاد الأخير أكثر من ٧١ ألفا من خيرة جنودها، هذا بجانب الخسائر الفادحة في العتاد والسلاح.. فإن صح هذا التصريح، فإنه من المرجح أن بوتين قد اعتمد خطة التحرك نحو كييف العاصمة، لحسم المرحلة الأولى من الحرب، وبعد سقوطها فسيستأنف الأوكران جهادهم من خلال حرب استنزاف تقوم بها ميليشيات أوكرانية.. وسيصبح التفاوض مع روسيا في هذه الحالة عسيرا جدا، وباختصار فإن الوقت في غير صالح الناتو.

ووفقا لتقديرنا للموقف الحالي فإن بوتين قاب قوسين أو أدنى من الانقضاض على كييف، وإن نجح فستحسم معركة الانتخابات الرئاسية في واشنطن لغير صالح بايدن، حال إصراره على الاستمرار في السباق الرئاسي، كما سيخسر الناتو الرهان على هزيمة روسيا.. وسيتفاوض بوتين مع القيادة الأوكرانية الجديدة بشروطه، وفي تقديري أنه لن يبالغ فيها.. حيث سيقدر الأمر وفق نظرة استراتيجية، فهو مازال يعتبر أوكرانيا جزءا من الدولة الروسية القديمة، وقد غرر بها الغرب.

تصاعد أسعار النفط ووحدة صف دول الناتو:

   هذا، وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة أسعار النفط عالميا، حيث وصل سعر البرميل لــ90 دولارا، وهذا التصاعد يهدد أوروبا بقوة خاصة مع دخول الشتاء، لذا فمن المتوقع حدوث انشقاقات بين دول أوروبا، وأهمها ألمانيا وفرنسا من ناحية، والولايات المتحدة من ناحية أخرى، وعلى أقل تقدير فإن العديد من دول أوروبا ستكسر الحظر المفروض على استيراد النفط والغار الروسي، وإن اقتضى الأمر فسيتم الحصول عليه بطرق غير مباشرة لحفظ ماء الوجه.

كامالا هاريس نائب الرئيس الأمريكي

انعكاسات الحرب الأوكرانية على السباق الرئاسي الأمريكي:

   وختامًا، تشهد الولايات المتحدة الأمريكية سباقا رئاسيا في 2024، يأمل بايدن أن يفوز فيه بفترة رئاسية ثانية، حيث سبق وأعلن رغبته في خوض الانتخابات، رغم أن مجلس النواب الأمريكي في سبيله لإجراء تحقيق رسمي بهدف عزله من منصبه، وصرح كيفين مكارثي رئيس المجلس، بأن التحقيق سيركز على اتهامات بإساءة استخدام السلطة المخولة للرئيس، وإعاقة العدالة، والفساد، لذا فإن الفترة المقبلة تعد فترة ريبة بالنسبة للقرارات التي يمكن أن يتخذها بايدن، والتي قد يشوبها تهور؛ باتخاذ قرارات استراتيجية قد تضر بالولايات المتحدة والعالم، خاصة وأن الرجل في حالة صحية صعبة.

لذا نرى أنه على كل من: وليام بيرنز مدير جهاز الـمخابرات المركزية الأمريكية، وجيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي، اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة لتأمين تصرفات الرئيس بما يتناسب مع المصالح العليا للولايات المتحدة الأمريكية.. هذا كما نرى أنه من المناسب إقناع الرئيس بتنحيه وتولي نائبته كامالا هاريس لمقاليد الرئاسة خلال الفترة القادمة لأسباب تتعلق بالحالة الصحية للرئيس، على أن يتوقف السير في إجراءات التحقيق الذي يهدف لعزله، باعتباره حلاً يتفق وخروج الرئيس بشكل لائق، كما تتحقق معه المصالح العليا للولايات المتحدة، وكذا يصب أيضاً هذا الحل في مصلحة الحزب الديمقراطي في اختيار الشخص المناسب لخوض السباق الرئاسي. 

لواء دكتور/ شوقي محمد صلاح

عضو هيئة التدريس بكلية الشرطة المصرية

خبير مكافحة الإرهاب ورئيس برنامج الدراسات الأمنية

بمركز الفارابي للدراسات والتدريب

حلمي النمنم: محمد فايق.. ألغاز السياسة والتاريخ؟

فى مايو سنة ٢٠٢١، كتبت هنا- المصري اليوم- سلسلة مقالات عن أحداث مايو سنة 1971، التي أطلق عليها الرئيس الراحل أنور السادات «ثورة التصحيح». كان مرور نصف القرن على وقوعها مغريًا لإعادة قراءة وتأمل الوقائع، خاصةً أن الحديث عن تفاصيلها كان كثيرًا فى عدد من الكتابات الأجنبية والمعلومات حولها غزيرة، بينما هي شحيحة عندنا، وكل ما بقي عنها مجموعة «إفيهات ونكات» بين قدامى الصحفيين، حتى الكُتاب، الذين كانوا «ساداتيين» تجاهلوها، بل تجاهلوا السادات نفسه مع مرور الأيام. ليس لدينا عنها سوى كتاب موسى صبري «وثائق ١٥ مايو» وفصل مركز فى كتاب هيكل «الطريق إلى رمضان»، وهما- موسى وهيكل- يتبنيان وجهة نظر السادات، مع فارق التناول وموقع كل منهما. كان هيكل يبرئ نفسه من أن يُحسب على هذه المجموعة، وكان موسى مندفعًا بشدة إلى تبنى كل ما يراه السادات، وهناك كتاب مضاد أصدره الأستاذ عبد الله إمام يتبنى وجهة النظر الأخرى، وفى زحام الحياة وتدافع الأحداث والوقائع الجديدة، توقفت طباعة هذه الكتب، عدا كتاب هيكل، الذي صدرت منه طبعة مزورة سنة ٢٠١١

أخيراً.. وزير الإعلام الأسبق محمد فائق ينشر مذكراته تحت عنوان: "مسيرة تحرر".

الوزير محمد فائق

واقتضى الأمر أن أستفسر وأسأل عن بعض التفاصيل من أولئك الذين عايشوا تلك الأيام، فضلًا عن أن يكونوا طرفًا فيها. كان أبرز هؤلاء الأستاذ محمد فائق، الذي لم يبخل عن أى استفسار، وفى كل ما سمعته منه كان يقول: «هذا ما رأيته بنفسى.. هذا ما لدىَّ من معلومات.. أو هذا ما أعرفه»، ثم يضيف: «ربما تكون هناك جوانب أخرى، لا علم لى بها»، وذات مرة سألته: ألم يَحِن الحين لكتابة مذكراتك؟، فضحك بطريقته الودودة والهادئة: أقوم بكتابتها الآن. الأسبوع الماضي، وجدت السيرة (أي سيرة الأستاذ محمد فائق) مطروحة فى مكتبة تنمية بجوار مقر وكالة أنباء الشرق الأوسط، بعنوان «مسيرة تحرر»، وتقع فى ٣٥٢ صفحة، وصدرت المسيرة عن مركز دراسات الوحدة العربية. «مسيرة تحرر» يمكن قراءتها من عدة زوايا. مثلًا، ما يرد فيها من وقائع ومواقف سياسية وتاريخية، وهي فى ذلك غنية جدًّا، وتقدم الجديد، هذا رجل عرف وتعامل مع كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسنى مبارك، واقترب منهم جدًّا جدًّا. كان عبد الناصر مَن نصحه أن يتواصل مع السادات ويضعه فى الصورة، كان ذلك مساء ٩ يونيو 1967، كان «فايق» وزيرًا للإرشاد، وكان السادات رئيسًا لمجلس الأمة، هو أيضًا تزامل فى الكلية الحربية- السنة الأولى- مع حسنى مبارك، ثم عملا معًا فى قاعدة حلوان الجوية، قبل يوليو 1952، أما عبد الناصر فقد كان أستاذه سنة 1951 فى مدرسة الإدارة الحربية.

الوزير محمد فائق: السيدة جيهان السادات كانت ضد محاكمات ثورة التصحيح مايو 1971.

السيدة جيهان السادات

الرئيس السادات وزوجته السيدة جيهان (قصة حب لم يكتبها القُصَّاص بعد)

يفاجئنا محمد فائق بأن السيدة جيهان السادات كانت ضد رغبة زوجها فى محاكمة وسجن «مجموعة ١٥ مايو»، وقالت له بالحرف الواحد فى جلسة بالمنزل، طبقًا لما نقله أشرف مروان، حيث كان حاضرًا: «لا يصح يا أنور تفعل ذلك مع هؤلاء، فهم كبراء البلد»، لكنه أهمل نصحها، وتثبت الأيام أنها كانت أبعد نظرًا، ذلك أن محاكمات ١٥ مايو أدت إلى اهتزاز هيبة جهاز الدولة ورجالها، وكان السادات أول مَن تحمل فاتورة ذلك طوال فترة حكمه. أنهت تلك المحاكمات وما صاحبها من تجريس كبار رجال الدولة وفضحهم عهد المسؤول «رجل الدولة» إلى عهد «الموظف الكبير»، وخلقت تصورًا لدى صغار القوم بأن المسؤول لا يصح أن يغادر موقعه دون تشهير وتجريس. عادة مملوكية وعثمانلية بذيئة، لا يليق أن تكون فى دولة حديثة. الطبيعي أن يغادر _بمنطق التداول_ أي مسؤول موقعه يومًا، وبمنطق أنه: "من حق الرئيس أن يختار بنفسه معاونيه الذين يراهم أقدر على تحقيق سياساته". ولما أجرت النيابة العامة التحقيق معهم انتهت إلى أنه «لا يوجد اتفاق جنائي، ولا توجد شبهة السعي أو محاولة (قلب النظام)»، واتجه النائب العام إلى حفظ التحقيق، والإفراج عنهم، لكن ظهرت بدائل أخرى. محكمة استثنائية. كان أحد أعضائها السيد "حسن التهامي"، وكان الرئيس مُصِرًّا على صدور حكم الإعدام فى حق أربعة، وطمأن أعضاء المحكمة إلى أنه سيخفف الحكم بنفسه.

الفريق محمد فوزي "المُفترى عليه".

الفريق أول محمد فوزي

كان أحد الأربعة الفريق محمد فوزي. وبعيدًا عن دور الفريق فوزي فى إعادة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة يونيو ٦٧، وأنه قائد حرب الاستنزاف العظيمة، والتى انتهت بإقامة حائط الصواريخ، فإنه كان شديد الإخلاص للسادات وأشد مَن سانده. ليلة وفاة عبد الناصر، شاع فى الدائرة الضيقة أن المخابرات الحربية رصدت أن عددًا من قادة القوات المسلحة لا يفضلون أن يكون السادات رئيسًا، ويحبذون اختيار زكريا محيي الدين، وهذا ما جعل هيكل يركز على صورة زكريا فى جنازة عبد الناصر، وذكر سامى شرف، فى حوار مع زميلنا الأستاذ إبراهيم عبدالعزيز، أن اتصالًا وصله من رئيس أركان حرب سلاح المدرعات، العقيد محمد عبدالحليم أبو غزالة، (المشير فيما بعد)، يرفض تولى السادات الرئاسة، وأنه حفظ سر «أبو غزالة».

السادات و"مراجعة للنفس" بشأن "الفريق فوزي".

https://www.youtube.com/watch?v=-QNCWFjJtQ8

رجال الدولة احترموا الدستور الذي ينص على أن يصبح النائب رئيسًا إلى حين إجراء استفتاء، هنا تدخل الفريق فوزي ليُذيب الجليد بين القادة والرئيس الجديد، فدعاه إلى زيارة عدد من المواقع ليقدمه إلى القادة، ونجح فى ذلك. كان السادات يقول للقادة فى زياراته: إن شاء الله ارجّع لكم سيناء دون حرب. وكان ذلك يثير التساؤلات لديهم، لكن القائد العام يهدئهم، ويصر على تواصل التدريب والاستعداد لحرب تحرير الأرض، ثم ها هو يتهمه، ويطالب بإعدامه!للتاريخ صحح السادات هذا الموقف بعد حرب أكتوبر، وأشاد بالفريق فوزي، أكثر من مرة، فى خطاب عام.

https://www.youtube.com/watch?v=AkEwo5LZkTk

هنا اعترض القضاء العسكري، ليس فقط دفاعًا عن الفريق فوزي، بل عن أبجديات المنطق والقانون، إذ لا يستقيم أن يحاكم قائد عام بتهمة التخطيط للسيطرة على الحكم بالقوة، ويكون هو المتهم الوحيد. تنفيذ مثل هذه العملية يقتضي وجود شركاء وأدوات للتنفيذ معه من القادة والضباط، مجموعات بأكملها، وحيث إنه لا شركاء له، فلا تصدق التهمة.

فى المسيرة أيضًا أن وزير الداخلية، شعراوي جمعة، و"سامي شرف"، مدير مكتب الرئيس، كانا الأشد إخلاصًا للسادات، حتى إقالة الأول ثم استقالة الثاني، وأن شعراوي حين أُبلغ بقرار إقالته اتصل بالوزير الجديد ممدوح سالم وهنأه. وقد اتصل فوزي عبد الحافظ برئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، محمد عبد الجواد، وطلب بث خبر إقالة وزير الداخلية.

السجينان (صلاح نصر ومحمد فائق)، "سجن واحد" و"موقف مختلف".

رئيس التحرير أحاط وزير الإعلام علمًا بالخبر قبل البث، هنا شعر (وزير الإعلام) أن هناك تجاوزًا لاختصاصه كوزير، فتقدم باستقالته. عثر المحققون على مسودة الاستقالة فى البيت أثناء التفتيش، كانت تلك دليل براءته من تهمة التدبير والتآمر مع آخرين، رغم ذلك قضى عشر سنوات كاملة فى السجن. فى منتصف المدة وصلته رسالة من الرئيس بالعفو مع نصف المدة، شكر الرئيس على ذلك، لكن العفو كان مشروطًا بأن يكتب رسالة اعتذار للرئيس عما فعل، وعن أنه استجاب لآخرين ورّطوه معهم. رفض العرض تمامًا، قيل له: لقد كتب صلاح نصر اعتذاره للرئيس، وها هو ينعم بالحرية ورغد العيش، كان رده: "أن صلاح نصر قال كلامًا عنيفًا وشتائم فى حق الرئيس وأسرته"، لكنه هو لم يفعل ذلك، لذا فلا اعتذار، وغضب الرئيس جدًّا. لحظة التماسك النفسي تجعل السجين أكثر قوة وتماسكًا.

مبارك "الرئيس" وصديقه القديم "محمد فائق".

بعد الخروج من السجن، استعان به زميله، صديقه القديم، الذي صار رئيس الجمهورية، (الرئيس مبارك)، فى عدد من المهام الدبلوماسية لتلطيف الأجواء مع العالم العربي، كانت البداية فى سوريا والرئيس حافظ الأسد. كان الرئيس مبارك يريد إعادة العلاقات، وكان الأسد راغبًا فى ذلك، لكن شريطة أن تتخلى مصر عن كامب ديفيد. الأسد قال إنه مستعد إذا فعل مبارك ذلك أن يسلمه شخصيًّا قيادة الجيش السوري أو يختار مبارك قائدًا من عنده للجيش السوري، وهناك عرف أن اتصالات السادات لم تنقطع يومًا مع حافظ الأسد، وأنهم طرحوا عليه نفس الطلب، وأن الاتحاد السوفيتي على استعداد لتقديم أحدث الأسلحة لمصر، حتى دون طلب، وأنه أى حافظ الأسد قادر على أن يوفر للسادات من الدول العربية الغنية مليارات الدولارات للمساعدة فى حل أزماته الاقتصادية، وكان رد السادات، كما سمعه «فائق» من حافظ الأسد: «أمهلونى حتى يوم ٢٥ إبريل ١٩٨٢، بعدها سوف (أقلب الطاولة عليهم كلهم)».

صحيفة بريطانية شهيرة في 1980: «يكفى السادات عشر سنوات من الحكم»؟!.

https://www.youtube.com/watch?v=kqbAJhgDvRQ

فهل تم تسريب هذا الرد فى حينه إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس تآمرًا بالضرورة، ولكن بالحكي والثرثرة فى دوائر البعث السوري، لذا وجدنا تقريرًا أمريكيًّا، رفيع المستوى، يحذر وقتها من أن السادات متقلب، ولا أمان له، وأنه يقول لوسائل الإعلام شيئًا، ثم يفعل العكس، وأنه يمكن أن يتراجع عن معاهدة السلام، ويقوم بإلغائها فور تحرير سيناء كاملة، وهل كان ذلك سبب افتعال مشكلة طابا فيما بعد؟!، هل كان ذلك سببًا فى أن الصحافة البريطانية والأمريكية «قلبت الطاولة» على السادات منذ نهايات سنة ١٩٨٠، إلى حد أن صحيفة بريطانية شهيرة قالت وقتها: «يكفى السادات عشر سنوات من الحكم»؟!.

السادات وكسينجر

السادات يخطب في الكينست الإسرائيلي

السادات وبيجين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق

السادات وجولدمائير

السادات وموشيه ديان

نكمل الأسبوع القادم.

المصدر صحيفة المصري اليوم الأحد 03-09-2023

تحرير واخراج: مركز الفارابي

الأرشيف