طرحت الولايات المتحدة الأمريكية على هامش قمة مجموعة G20 بنيودلهي (سبتمبر٢٠٢٣) مشروع طريق “الهند/أوروبا”. يتلخص هذا المشروع في إنشاء “خط ملاحي بحري/ بري” لربط الهند والدول المجاورة لها بأوروبا، من خلال خط ملاحي يبدأ من موانئ “الهند” وصولا لموانئ “دولة الإمارات العربية”، ثم يتم نقل الحاويات بخطوط “للسكك الحديدية” تقطع مسارها أراضي الإمارات ثم “المملكة العربية السعودية”، وصولا للمملكة “الأردنية”، وأخيرًا “إسرائيل”. حيث يتم شحن البضائع مرة أخرى بسفن من موانئ الأخيرة حتى “اليونان”، ثم تنقل حاويات البضائع عبر “خطوط للسكك الحديدية اليونانية” وصولا لباقي دول أوروبا.

لا شك أن المشروع سيتضمن في جانب منه نقل الركاب لأغراض سياحية وغيرها.. كما أنه يتضمن في جانب آخر إنشاء بنية تحتية لخدمات التكنولوجيا الرقمية، وكذا إنشاء خطوط لنقل الطاقة.. ورغم أن المشروع تمت الموافقات المبدئية عليه من قبل الدول المعنية، إلا أن تكلفته التقريبية لم يعلن عنها بعد.. ومع هذا فإنه مشروع طموح، وغالبا ستتجاوز تكلفته التريليون دولار.

هذا ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتحمل الجانب الأكبر من تكلفة المشروع، وبالتالي ستجني في المقابل النسبة الأعظم من العوائد، وستتولى الهند – عضو مجموعة البريكس- مهمة إنشاء خطوط السكك الحديدية للمشروع.

هذا، ومنذ الإعلان عن المشروع فقد أفاض المحللون والخبراء في ذكر أهميته وتأثيراته الاقتصادية والتجارية، ولا نريد في هذا السياق تكرار تلك المشاركات، لذا سيقصر رأينا التحليلي على زاويتين جوهريتين لما وراء المشروع:

الأولى: نرى أن الباعث الأساسي وراء المشروع الأمريكي المشار إليه هو: “تمكين الدولار” والتأكيد على الاحتفاظ به باعتباره العملة الأساسية على المستوى الدولي، فالهند – العضو المؤسس لتحالف البريكس- وغيرها.. عندما تتقاضى مبالغ طائلة من الدولارات الأمريكية ستكون حريصة كل الحرص على احتفاظ الدولار بقيمته السوقية العالمية، كما أن الولايات المتحدة من جانب آخر ستتبوأ مركز الصدارة بين الرابحين من المشروع، نظرا لأنها ستجنى عوائد هائلة تشترط بأن تكون “دولارية” وذلك فور تشغيل المشروع. لذا، فعلى الدول المشاركة الانتباه لأهمية اتخاذ ما يلزم لتقوية عملاتها أيضا، وذلك على ضوء أحكام التعاقد النهائي للمشروع، فالتفاوض في هذا المقام سيكون لفريق متعدد التخصصات: قانوني/ اقتصادي/ مالي/سياسي/ تجاري.
وتجدر الإشارة إلى أن الصين لن يمكنها السكوت إذاء هذا، فغالبًأ ما ستقابل هذا النشاط بتحركات مضادة لمواجهة هذه الهيمنة الأمريكية، وربما يتم ذلك من خلال الاسراع بوتيرة ومعدلات التنفيذ الخاصة بمشروع “الحزام والطريق” وفقا لمعطيات الموقف الراهن
.

شاحنة الحاويات العملاقة “إيفر جرين”
تعطل الملاحة بقناة السويس (مارس 2021)

الزاوية الثانية لمشروع ممر ” الهند/أوروبا”: هو المتعلق بتأثيره المرتقب على قناة السويس، وبإيجاز فمن المؤكد أن الممر سيأخذ حصة من كميات البضائع التي تنقل من خلال القناة، إلا أنه نظرا لكون تكاليف نقل البضائع من خلال مراحله المتعددة، سيصبح مكلفًا جدا مقارنة بنقلها عبر قناة السويس، لذا فمن المؤكد أن هيئة قناة السويس سترفع رسوم العبور من جانبها، وسيعوض هذا قدر الفاقد من البضائع التي ستنقل باستخدام ممر “الهند/أوروبا”.

من الجدير بالذكر أن هناك ادعاءات صدرت عن السيد آموس هوكستين كبير مستشاري الرئيس الأمريكي خلال لقائه مع سكاي نيوز عربية صرح فيه بأن مشروع الممر “سيغير قواعد اللعبة في المنطقة” حيث تكلفته الأقل بشأن نقل البضائع !!! وهي تصريحات تخالف المنطق من حيث تكلفة نقل البضائع.. ولكن، أتفهم تصريحه في إطار أن: هذا الممر يمكن أن يكون – بالنسبة لنقل البضائع – احتياطيا لقناة السويس، في حالة لا قدر الله تعطلت الملاحة فيها لسبب أو لأخر.. وهو ما يمكن أن يقوم به أيضًا الممر المصري “العريش طابا”.

هذا، كما فاجأت مصر الجميع مؤخرا باستئنافها مد خط السكة الحديد “العريش/طابا” لوأد أي منافسة لمشروعات تضر بقناة السويس، حيث سوف يعزز جهود تنمية سيناء، كونه سيساهم في نقل المواد الخام الموجودة بسيناء لخطوط الإنتاج من ناحية وإلى موانئ التصدير من ناحية أخرى، لذا أعتقد بأن قناة السويس ستظل الممر الأهم على المستوى الدولي.

عضو هيئة التدريس بأكاديمية الشرطة المصرية

خبير مكافحة الإرهاب ورئيس برنامج الدراسات الأمنية

بمركز الفارابي للدراسات والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأرشيف