يُطلعنا د. محمد حسين هيكل (باشا)، في مذكراته السياسية، على الكثير من خبايا جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتى انتهت بصدور القرار ١٨١ الخاص بتقسيم فلسطين.معظمنا يعرف هيكل (باشا)، صاحب رواية زينب، الرواية العربية الأولى المكتملة فنيًّا ودراميًّا، وإن لم تكن الأولى تاريخيًّا، والتى أصدرها وهو شاب- سنة 1914 – هو أيضًا الليبرالى، صاحب كتاب «جان جاك روسو» في جزءين، وهو من أهم ما كُتب عن روسو قاطبة، لذا شاهدت صورة ضخمة لهيكل في مدخل متحف روسو في مدينة جنيف، وهو كذلك صاحب الدراسات المتميزة في مجال الإسلاميات، مثل «حياة محمد».. «فى منزل الوحى».. «الفاروق عمر» وغيرها.لكن تاريخ حسين هيكل السياسى جرى تجاهله مع الكثير من تاريخنا، خاصة في السنوات الأخيرة من العصر الملكى برموزه وأحداثه.كان هيكل رئيس حزب الأحرار الدستوريين حين قامت ثورة يوليو 52، وترأس مجلس الشيوخ، وتولى وزارة المعارف، وفى سنة 1947، اختاره رئيس الوزراء، محمود فهمى النقراشى، كى يترأس وفد مصر في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة قضية فلسطين، خاصة أن لجنة شكلتها الجمعية لدراسة الملف، انتهت إلى التوصية بتقسيم فلسطين إلى ثلاثة أقسام، قسم لليهود بنسبة 55 % من مساحة فلسطين، ويضم الساحل، بما فيه عكا وحيفا، ويترك للعرب يافا فقط على الساحل، أما القدس فتخضع لإدارة دولية.انزعجت الدول العربية، واحتشدت في الأمم المتحدة للدفاع عن عروبة فلسطين. العراق أرسل نورى السعيد على رأس الوفد، صاحب السمو الملكى الأمير فيصل بن عبدالعزيز ترأس وفد المملكة السعودية، مصر باتفاق الملك فاروق ورئيس الوزراء تكلف هيكل، وهو يومها رئيس الاتحاد الدولى للبرلمان، صاحب صلات دولية عتيدة، فضلًا عن أنه كان رئيسًا لتحرير جريدة السياسة الأسبوعية فترة طويلة، وله صلات جيدة بالصحافة الغربية، وكان محمود فوزى، وزير الخارجية الأشهر في زمن عبدالناصر، عضوًا بالوفد.نشطت الوفود العربية، ونشط وفد باكستان تحديدًا، وكان رئيسه، ظفرالله خان، من أشد المدافعين عن عروبة فلسطين، لديه إلمام واسع بتاريخ فلسطين وتفاصيل ما جرى فيها من بريطانيا والمنظمات الصهيونية، لكن صدمهم جميعًا الرئيس الأمريكى ترومان، الذي أعلن في كلمته بالجلسة الافتتاحية لاجتماعات المنظمة الدولية تأييده وتأييد بلاده مشروع التقسيم، بما أضفى حالة من التشاؤم على المشاركين العرب، حاول وزير الخارجية الأمريكى تخفيف صدمة رؤساء الوفود العربية بالقول إنهم مازالوا يفكرون، ودعاهم إلى جلسة عشاء، واستمع منهم إلى أسباب اعتراضهم على فكرة التقسيم، وأثبتت الأيام صحة مخاوفهم وتوقعاتهم، الأمير فيصل وكذا نورى السعيد قررا أن القرار سيشعل حربًا دائمة في المنطقة، د. هيكل أضاف أن التقسيم سوف يشعل أجواء العصور الوسطى والحروب الدينية مجددًا في المنطقة، وذكّر الأمريكيين بالحروب الصليبية، التي دارت معظمها في فلسطين، حول القدس، خاصة أن إسرائيل تتأسس وفق تصور دينى.وسط هذا كله، شرح رئيس وفد الإكوادور، لرئيس الوفد المصرى، وكانا صديقين، صعوبة الموقف العربى، واقترح عليه أن يقدموا مشروع قرار خاص بهم، وليكن قرار الفيدرالية في فلسطين، على غرار سويسرا.كان هناك مشروع وحيد مقدم، وهو التقسيم. قبلها بشهور، كان قرار مماثل قد صدر بخصوص تقسيم الهند، وتم تنفيذه بدماء غزيرة، في العادة إذا كان هناك مشروع واحد يتم غالبًا إقراره، حتى لو تعددت جولات التصويت، أما إذا كان هناك أكثر من مشروع يمكن التوفيق بينها، وربما تأجيل التصويت على أي منها، وإذا حدث ذلك يكون العرب قد كسبوا بعض الوقت حتى يتدبروا الأمر، طرح رئيس الوفد المصرى الاقتراح على عدد من رؤساء الوفود العربية، وتحدثوا مع ممثل فلسطين، «جمال بك الحسينى»، وكانت الأمم المتحدة قد دعته إلى الحديث عن فلسطين، كما دعت د. حاييم وايزمان، وكان كهلًا، إلى الحديث عن اليهود.كان الاقتراح خارج دائرة تكليف واختصاص رؤساء الوفود العربية، ولم يكن يحق لأى وفد عربى أن يتقدم بمشروع باسم فلسطين، وما كان الفلسطينيون يقبلون بذلك.رئيس الوفد المصرى كان متابعًا جيدًا للقضية منذ صدور وعد بلفور، ولديه الكثير من الخبايا. قبل الاجتماعات الأممية، أصدرت سلسلة اقرأ التابعة لدار المعارف كتاب «قضية فلسطين» للمؤرخ المصرى المعروف «محمد رفعت بك»، في أغسطس من السنة نفسها، وبه متابعة القضية بالتفصيل منذ نهاية القرن التاسع عشر، وأنهاه باحتمالات أربعة لمسار القضية.كان مشروع التقسيم أحدها، لكن لم يكن بمقدور غير الفلسطينى أن يأخذ بأى اقتراح، لذا اقتصر دور العرب على رفض قرار التقسيم، ومحاولة تعطيل إصداره، لكن أمام نصيحة الصديق الإكوادورى، وضعوا الأمر أمام صاحب الحق الأصيل، لذا طلبوا من «جمال» أن يسافر فورًا إلى بيروت، ويجتمع بالحاج أمين الحسينى في أي مكان، ويعرض عليه الأمر، ويعود منه باقتراح مشروع فلسطينى مقابل مشروع التقسيم، رفض جمال الحسينى قائلًا إن ذلك يُعرضه للاتهام بالخيانة، وقد يُقتل.وهكذا مر قرار التقسيم بضغوط الرئيس الأمريكى شخصيًّا، كان رئيس وفد الفلبين- كما يذكر هيكل- مدافعًا قويًّا عن فلسطين، فاتصل الرئيس الأمريكى برئيس الفلبين، مهددًا، مما ألزم رئيس الوفد الفلبينى الصمت المطبق، وحدث شىء مشابه من ترومان مع عدة دول أخرى، (من ترومان إلى جو بايدن لا فارق)، ومر القرار دون أغلبية، لكن عدد الموافقين (33) تجاوز ضعف عدد الرافضين (13)، فاعتُبر صحيحًا.من الدول التي صوتت بالاعتراض، إلى جوار الدول العربية وكذا الإسلامية، الهند واليونان، ومن الدول التي وافقت الصين والاتحاد السوفيتى، وامتنعت بريطانيا عن التصويت وكذا إثيوبيا.هذه التفاصيل كلها ليست بكاء على لبن سُكب مرات عديدة في تاريخنا، ولا هي من باب التبكيت التاريخى، ولا حتى من باب التساؤل الوجودى: «ماذا.. لو؟»، لكنها تفاصيل ترتبط باللحظة الراهنة في فلسطين، وقد تكون مفيدة.حرب الطوفان كشفت أن الجيش الإسرائيلى استهدف المدنيين فقط، لم يكن يستهدف قادة حماس، كما ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلى. هذه الحرب هي أقل المواجهات استهدافًا لقادة حماس، لكنها ركزت على المواطنين المدنيين، الذين لم يشاركوا في عملية الطوفان، ولا تمت استشارتهم فيها من قبل ولا أخذ رأيهم فيها، ولا مَسَّ أحدهم إسرائيليًّا بأذى، مدنيًّا كان أو عسكريًّا، المؤكد أنهم فوجئوا بها مثل كثيرين، ومع ذلك قُتل منهم أكثر من 14 ألفًا، معظمهم أطفال ونساء وشيوخ، والمصابون أكثر من ضعف هذا الرقم، أي أننا إزاء قرابة 50 ألفًا ما بين شهيد وجريح، ناهيك عن مئات الآلاف من المشردين خارج بيوتهم، وهناك تدمير كامل للبنية الأساسية في غزة من مدارس ومستشفيات وغيرها، إنه شىء أقرب إلى ما وقع في هيروشيما ونجازاكى باليابان ومدينة درسدوف الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، ذلك هو تاريخ الغرب في الحروب والصراعات، لا يُحدثنا أحد عن حقوق الإنسان وعن حرمة حياة المدنيين، تذكروا دائمًا مقتل نصف مليون عراقى في مطلع هذا القرن.ومع ذلك، هناك في الجانب العربى بعض الممتعضين من الهدنة، التي بدأت صباح الجمعة الماضى، بجهود مصرية وقطرية حثيثة، جاءت الهدنة مطلبًا للفصائل الفلسطينية وكذا إسرائيل. أحد الكُتاب العرب اعتبر الهدنة خطأً وخطرًا، كاتب آخر يحتج بأنه لم يتم إطلاق «كل الأسرى العرب».القتال حتى «آخر مدنى فلسطينى» موقف مدمر، بل موقف صهيونى. إذا كانت مصر قد تصدّت لمخططات التهجير القسرى وتصفية القضية، فإن القتال إلى آخر مدنى فلسطينى تصفية أخرى لها، إنهاء للوجود الفلسطينى.المشكلة الآن ألّا يتكرر موقف جمال الحسينى مجددًا، وألّا تتكرر معركة الحاج أمين الحسينى مع راغب النشاشيبى سنة 1936، بما هدد بأن تتحول الثورة الفلسطينية الكبرى إلى ما يشبه الحرب الأهلية، ويذهب فريق إلى أن الوطن القومى لليهود أفضل له من الفريق الآخر (الفلسطينى)، يجب ألّا تذهب كل تضحيات الفلسطينيين هذه المرة هباء، وتكون وقودًا لخلافات الفصائل والسلطة.هل نجد مشروعًا وطنيًّا فلسطينيًّا معلنًا يجتمع حوله الكل الفلسطينى، ويكون له رمز وطنى ودولى كبير ومسموع، مثل سعد زغلول في مصر وغاندى في الهند ومانديلا في جنوب إفريقيا وبن بلة في الجزائر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأرشيف