admin

اللواء الدكتور شوقي صلاح: بوتين يراهن على عامل الوقت.. فاحذروه 

تمهيد

لا شك أن حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تحرش من زمن بروسيا، فخطط لتفكيك الاتحاد السوفيتي ونجح في ديسمبر١٩٩١، ثم ضم أغلب الدول التي انفصلت عنه، وعلى المستوى السياسي؛ يشار إلى أن كييف أنتجت عام 2015 مسلسلا بعنوان "خادم الشعب" تناولت أحداثه الوضع السياسي في البلاد، وسلط المسلسل الضوء على عدد من القضايا في إطار كوميدي...! ولم يتوقع أحد أن بطل المسلسل فولوديمير زيلينسكي (44 عاما) سيصبح الرئيس الفعلي للبلاد عام 2019.. فهل هذا من قبيل الصدفة أم أنه مخطط دُبر بعناية؟؟؟ وكاد الغرب أن يضم أوكرانيا لعضوية الناتو، رغم كل التحذيرات التي أطلقتها روسيا، ولا من مجيب، مما اضطرت معه الأخيرة لاتخاذ قرارها بغزو أوكرانيا في 24 فبراير 2022.

* الناتو وروسيا يراهنان على عامل الوقت:

 بعد أن تدخلت روسيا عسكريًا في أوكرانيا، اعتقد الناتو أن روسيا ستغرق في دوامة الصراع، حيث تندلع حرب هجينة تخوضها أوكرانيا بالوكالة، حيث المواجهة فيها عسكرية واقتصادية وسياسية، فيتم دعم أوكرانيا بالسلاح من جانب، وتوقيع عقوبات اقتصادية هائلة على روسيا من جانب آخر، وضغوط سياسية لعزل روسيا، مع اللعب على عامل الوقت، حيث ستضطر الأخيرة – وفقًا لخطط الغرب- للانسحاب بعد مارثون طويل من القتال، وذلك حال وصولها لحالة من الانهاك الجسيم.. واضعين في الاعتبار أن لجوء روسيا إلى استخدام السلاح النووي يعد أمرًا مستبعدًا، باعتباره سلاحًا للتدمير الشامل. هذا وأكد الواقع أن روسيا احتلت حتى تاريخ كتابة هذه السطور حوالي 20% من الأراضي الأوكرانية، ومازالت قادرة حتى الآن على استخدام قدراتها العسكرية غير النووية في إدارة الصراع بكفاءة وقدرة عالية، ولم تنهزم اقتصاديا، ومازال الناتو يُصِر على إطالة أمد النزاع، بمزيد من الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لأوكرانيا، وأيضًا بمحاولات مستديمة ومضطردة لعزل روسيا على كل الأصعدة...

"الخنجر" صاروخ روسي فرط صوتي يصعب اعتراضه

رسالة للناتو "احذروا مفاجآت بوتين"

  • لعل الكثير من المحللين تساءلوا: لماذا لم يحسم بوتين الحرب من زمن باستخدام القليل من قدرات روسيا النووية التكتيكية؟ وبهذا يحسم الصراع متجنبًا إزهاق الأرواح والأموال التي أهدرت في حرب لا تبدو لها نهاية قريبة، وذلك على غرار الحسم الأمريكي للحرب العالمية الثانية واستخدامها للسلاح النووي ضد اليابان في أغسطس عام 1945، وذلك بإلقائها قنبلتين؛ الأولى أسقطت على هيروشيما والثانية على ناجازاكي، وتحقق للولايات المتحدة الأمريكية ما أرادت؛ حيث حسمت الصراع واضطرت اليابان للاستسلام، وأعتقد أنه بفرض استخدام روسيا للسلاح النووي التكتيكي، فإن الناتو لن يُصَعد الأمر لمواجهة نووية مع روسيا، فالسلاح النووي الاستراتيجي يعد بحسب الأصل سلاحًا للردع.

- ومع هذا، فإنه وعلى جانب آخر، ومن منطلق تحليل أمني يستند على محاولة لقراءة فكر الرئيس بوتين، أنه يسعى بتُؤَدة أيضًا لكسب الوقت، ولكن هدفه من وجهة نظري قد يكون مفاجئا ومباغتًا.. فالرجل ربما يدفع بكل قوة لتطوير تكنولوجيا أسلحة الردع، وصولاً لهدف استراتيجي ألا وهو: "ابتكار أسلحة من شأنها تحييد القدرات النووية الاستراتيجية للناتو" ليتمكن إذا اقتضى الأمر من بدء الهجوم وإنهاء الصراع الأخطر.. ولما لا، ووفقًا لما أعلنه بوتين وقادة روس آخرون، فقد استطاعت روسيا تطوير صواريخ فرط صوتية سرعاتها أضعاف سرعة الصوت، وبهذا لا تستطيع قدرات الدفاعات الجوية للناتو اعتراضها.. فإذا انتجت المصانع الروسية شبكات للدفاع الجوي وذخائر بكميات هائلة.. من شأنها اعتراض الصواريخ النووية المضادة، بجانب توفير ابتكارات تكنولوجية عسكرية لتعطيل منظومات الإطلاق من العمل ولو لبعض الوقت.. وهنا لن يتردد بوتين في التهديد بالمواجهة باستخدام السلاح النووي التكتيكي ضد أوكرانيا، وإن لم تستسلم فسيفعلها، وهو على يقين بألا يُقدِم الناتو على مواجهة نووية مباشرة.. ولتحري مزيد من الدقة فقد استطلعت رأي أحد الأصدقاء من لواءات قادة الدفاع الجوي المصري السابقين، للتعرف على رأيه في إمكانية تحييد الصواريخ النووية التكتيكية للناتو فأجاب: "أعتقد أن روسيا لديها أقوى غطاء دفاع جوي في العالم، ورغم هذا لا يمكن الجزم أن بإمكانها صد الهجمات الجوية النووية للناتو بنسبة 100%".

صاروخ سارمات: من مقدمات الجيل السادس؟

يا أولي الأمر: شعوبكم سئمت طول الصراع:

لعله من الحكمة البالغة ولمصلحة أطراف الصراع كافة، أن تبدأ وبسرعة مرحلة التفاوض على إنهاء هذه الحرب، التي أنهكت العالم بأسره، ولعل هناك بارقة أمل بدت مؤخرًا في تصريح "ستيان يينسين" مدير مكتب الأمين العام لحلف الناتو، الذي لم يستبعد قبول عضوية أوكرانيا في الحلف حال قدمت تنازلات عن جزء من أراضيها لروسيا، وذلك كجزء من صفقة لإنهاء الحرب.

** أستاذ القانون وعضو هيئة التدريس بكلية الشرطة

رئيس برنامج الدراسات الأمنية بمركز الفارابي للدراسات

وخبير مكافحة الإرهاب

الدكتور مدحت حماد يكتب: تحديات انتخابات الرئاسة المصرية ٢٠٢٤(1/4)

بكل تأكيد فإن العد التنازلي لانتخابات الرئاسة المصرية ٢٠٢٤ بدأ مع أول يوليو الماضي، وهو أمر لا يخفى على أحد، خاصة في ظل حالة "الترقب الصامت" التي تكتنف هذه الانتخابات بشأن طبيعة وكينونة "الشخصيات" التي ستنافس الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذه الانتخابات.

إن حالة "الترقب الصامت" هذه، لم تنشأ لا من فراغ ولا قدراً، إنما تشكلت ونشأت نتيجة تضافر مجموعة من "العوامل المركبة والمعقدة"، منها على سبيل المثال:

١_ الجمود التاريخي للحياة الحزبية في مصر. منذ أن أعاد الرئيس السادات الحياة الحزبية في مصر بعد انتصار أكتوبر العظيم. لقد ظلت الدولة المصرية منذ ذلك الوقت وحتى الآن تراوح مكانها فيما يخص إطلاق العمل الحزبي على النحو المعمول به في جميع الدول الديمقراطية بما يؤدي بالضرورة إلى ما يعرف بتناوب السلطة بين حزبين رئيسيين أو أكثر. فمنذ ذلك التاريخ وحتى الآن، تقوم الحياة السياسية الحزبية المصرية على أساس "حزب الرئيس"، وهو الأمر الذي يؤكده "بقاء الرئيس في السلطة بقاءً شبه أبدي"، حيث لم يترك الرؤساء الثلاثة السابقين (أنور السادات، حسني مبارك ومحمد مرسي)، لم يتركوا السُلطة "طوعاً واختياراً"، إنما تركوها "قدراً أو كُرهًا".

٢_ توارث، أو توريث، منظومة "القيم السلبية" فيما بين فئات وقطاعات الشعب المصري من جهة، والأحزاب السياسية ذاتها من جهة أخرى، مثل استحالة تحقيق تداول حقيقي للسلطة بالطرق الدستورية العادية أي الانتخابات. فلسبب ما _ يحتاج إلى دراسات حقيقية صادقة لمعرفة الجذور الفعلية لهذه المفاهيم والقناعات السلبية _ لا يزال الناس وبالطبع الأحزاب السياسية، على قناعة مفادها أن "الرئيس الفلاني" الموجود في السلطة هو "الفائز" لا محالة في الانتخابات، شاء من شاء وأبى مَن أبى!

من ثم كان الإحباط الذي شكّل البيئة الخصبة لليأس وفقدان الأمل في وجود انتخابات رئاسية حقيقية تؤدي بالفعل إلى رحيل رئيس ومجيء رئيس آخر، بشكل عادي.

٣_ عدم وجود انتخابات المحليات منذ أكثر من عقد من الزمن، الذي تكامل بشكل قَدَري، مع ما رافق الانتخابات البرلمانية من انطباعات واشاعات كلها سلبية، بخصوص آليات اختيار الأحزاب لمرشحيها من جهة، وحدوث تنسيق "حزبي _ حزبي" أقرب إلى "تقاسم وتقسيم" المقاعد الانتخابية بين الأحزاب وبشكل توافقي، قبل إجراء الانتخابات البرلمانية من جهة أخرى، الأمر الذي ضاعف من اليأس والإحباط على النحو الذي جسدته تراجع معدلات الإقبال _ ومن ثم التصويت _ الشعبي فيها، وهي كلها حقائق لا تقبل التشكيك، إذ تثبتها وتؤكدها الأرقام والإحصاءات.

(هنا تحديداً يلزم الإشارة والتأكيد على أن عام ٢٠١٢ كان عاماً استثنائياً في تاريخ الحياة السياسية والحزبية المصرية منذ ثورة 23 يوليو 1952، سواء فيما يخص التصويت في الاستفتاء الدستوري أو في الانتخابات البرلمانية وكذلك الانتخابات الرئاسية)

فإذا ما أضفنا لذلك كله وجود قناعات لدى الكثير من المصريين بأنّ الأحزاب القائمة الآن إن هي إلا "امتداد" أو "استنساخ" للحزب الوطني الديموقراطي، والأكثر من ذلك اعتقاد عدد غير قليل من المصريين ب "عسكرة الحياة السياسية والحزبية" من خلال سيطرة نخبة من القادة العسكريين السابقين خصوصًا من بعد ثورة 30 يونيو، نكون أمام مقدمات خطيرة تشير إلى "عزوف شعبي" متوقع عن المشاركة الكبيرة في انتخابات الرئاسة 2024.

نعود إلى عنوان المقال فنقول، إنه في إطار ما سبق، واستنادًا إلى بعض العوامل الأخرى مثل تعاظم الأزمة الاقتصادية المصرية، والصعوبات الحياتية الكبيرة التي بات يعاني منها الكثير من المصريين، فإن "الدولة المصرية" بأسرها باتت أمام امتحان مصيري مرتبط بالانتخابات الرئاسية القادمة في 2024.

عندما أقول "الدولة المصرية"، فأنا أقصد بذلك النظام السياسي والشعب المصري معًا. ذلك أن الخوف أو القلق المرتقب، المتمثل في عزوف غالبية المصريين عن المشاركة والتصويت فيهذه الانتخابات، سوف يشكِّل _ إذا ما حدث ذلك _ أزمة سياسية ستنال بكل تأكيد من المكانة الخاصة بالرئيس القادم، الذي هو "الرئيس عبد الفتاح السيسي" نفسه.

ثمة "تحديات ثلاث"، ترتبط بالانتخابات الرئاسية 2024، هذه التحديات هي: "المصداقية"، "الجديّة" و"المشروعية".

أولاً: المصداقية.

في ظل عدم الإعلان المبكِّر، عن وجود منافسين حقيقيين يخوضون الانتخابات أم الرئيس عبد الفتاح السيسي، واستنادًا على كل ما ذكرناه سابقًا، خاصة فيما يتعلق بجمود أو تكلّس الحياة الحزبية، وحالة الحذر، التي يفسرها الكثير من الناس بأنها حالة خوف، المتعلقة بالإعلان عن المنافسين المحتملين للرئيس السيسي، فإن تآكل حقيقي لـ "المصداقية" سيكون هو الانطباع السائد بين جموع المصريين.

المقصود بالمصداقية هنا، هو مصداقية المتنافسين أمام _وفي أعين_ المصريين، وهل هُم جادين فعليًا لخوض غمار منافسة انتخابية حقيقية للرئيس السيسي أم أنهم سيبدون كما لو أنهم يعملون على استكمال الشكل الظاهري للعملية الانتخابية فقط؟

ثانيًا الجديِّة.

أعني بها جديِّة _وبالتالي قدرة_ المرشحين المحتملين لخوض غمار مواجهة ومنافسة انتخابية حقيقية تحظى بقبول واحترام وتصديق الناس. هذه الجديِّة هي توأم مباشر للمصداقية، وبالتالي فإننا إذا ما افتقدنا تحقق الأولى في المنافسين الذين سيخوضون غمار الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس السيسي، فإن النتيجة المباشرة لذلك هي زوال وتلاشي "جديّة المنافسة".

ثالثًا: المشروعية.

وهذه بدورها ستكون النتيجة "المُطلقَة" إذا ما انعدمت "المصداقية والجديِّة". من ثم سيكون الرئيس عبد الفتاح السيسي عند فوزه، أمام تحدي كبير مرتبط بمشروعيته هو شخصيًا. الأمر الذي سيفرض عليه ضغوطًا جديدة، وسيخلق له "تحديات داخلية نوعية" _ وربما "تهديدات خارجية" _ غير متوقعة.

من المقدمات التي تقودنا لذلك؛ على الأقل من الناحية الواقعية الحياتية، نذكر ما يلي:

  1. تراجع نسبة التصويت في آخر تعديلات دستورية.
  2. 2- تراجع نسب التصويت في آخر انتخابات رئاسية.
  3. 3- تراجع نسب التصويت في آخر انتخابات برلمانية.
  4. 4- تعاظم الأزمات الاقتصادية الاجتماعية الداخلية.

جميع ما سبق نال بكل تأكيد من معدلات التأييد الشعبي للرئيس عبد الفتاح السيسي مقارنة بما كان عليه أعوام 2012_2016 الأمر الذي بات يشكِّل في حد ذاته أكبر تحدي أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيًا.

وللحديث بقية.

الدكتور حامد محمود: البريكس.. هل تعيد رسم خارطة الاقتصاد العالمي؟

د/ حامد محمود

المدير التنفيذى لمركز الفارابى للدراسات السياسية والاستراتيجية

يأتى اجتماع قادة دول بريكس ذات الاقتصادات الناشئة والتي تمثّل نحو رُبع ثروة العالم، في جوهانسبرغ في قمّة ترمي لتوسيع نفوذ التكتّل والدفع باتجاه تحول في السياسة العالمية. ويستضيف رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامابوزا كلاً من الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في القمة السنوية للتكتّل والتي تستمر ثلاثة أيام. أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فسيشارك في القمّة عبر الفيديو، وسيتوجّه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى جوهانسبرغ بدلاً منه.
تمثّل دول بريكس مليارات الأشخاص عبر ثلاث قارات، مع اقتصادات تشهد مراحل متفاونة من النمو، لكنّها تتشارك في أمر واحد: ازدراء نظام عالمي تقول إنّه يخدم مصالح القوى الغربية الغنية.

تأتي القمة لدول البريكس التى تعقد تحت شعار “بريكس وأفريقيا: شراكة من أجل النمو المتسارع المتبادل، والتنمية المستدامة، والتعددية الشاملة”.، في لحظة حرجة من عمر تطور التكتل ذاته، والنظام الدولي على حدٍ سواء، حيث يتناول الاجتماع “إعادة التوازن” في النظام العالمي، وبحث تداعيات الحرب في أوكرانيا على المجتمع الدولي. كما تشاور الاجتماع في الطلبات التي قدمتها حوالي عشر دول للانضمام إلى المجموعة .

وفي الوقت الذي تسعى فيه دول المجموعة، بالفعل، إلى ضم أعضاء جدد، لكي تصبح ذات فاعلية أقوى في الساحة الدولية، ومن ثمَّ العمل على إعادة التوازن في قمة النظام الدولي، وإصلاح المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، وتعديل آليات العولمة وقواعدها، لتراعي مصالح الأسرة الدولية كافة، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل دائمًا على تعطيل انضمام بعض الدول إلى هذا التكتل، بل وتوسيع الفجوة والخلافات بين أعضاء التكتل ذاته.

على الرغم من ذلك، تعطي مجموعة “بريكس” أملًا لدول العالم في أن عالم القطب الواحد اقتصاديًا لن يستمر إلى الأبد، وأن هناك دولًا تفكر في إحداث تغيير كبير في هذا النظام. كما أن الأرقام الاقتصادية التي صدرت مؤخرًا عن مجموعة بريكس، وإعلان دول عديدة رغبتها في الانضمام إلى المجموعة، يؤكدان أن هذه المجموعة ستعمل على تغيير كبير في موازين القوة الاقتصادية والسياسية عالميًا. وقد كشفت الأرقام تفوق مجموعة بريكس لأول مرة على دول مجموعة السبع الأكثر تقدمًا في العالم، وذلك بعد أن وصلت مساهمة “بريكس” إلى 31.5% في الاقتصاد العالمي، مقابل 30.7% للقوى السبع الصناعية.

في هذا الإطار، يتناول هذا التحليل، قراءة في مخرجات اجتماع وزراء خارجية المجموعة في كيب تاون، ونشأة وأهمية وأهداف المجموعة، ولماذا تسعى بعض الدول إلى الانضمام إلى هذا التكتل الآن، وما هي أهم التحديات التي تواجه المجموعة، وأخيرًا مآلات ومستقبل مجموعة بريكس.

ثلاثية النشأة والأهمية والأهداف:

تأسست مجموعة بريكس تحت مسمى “بريك”، أي الأحرف الأولى من الدول المشكلة لها، وهي البرازيل وروسيا والهند والصين، وعقدت أول قمة لها عام 2009، ثم انضمت إليها جنوب أفريقيا عام 2010، ليصبح اسمها “بريكس” (BRICS). وعلى الرغم من التطلعات الكبيرة لأعضائها ببناء عالم ثنائي القطبية، فإن المجموعة لم تتحول إلى تكتل اقتصادي وسياسي قوي ينافس الغرب وحلفاءه. وكانت روسيا هي التي شرعت في إنشائها. ففي 20 سبتمبر 2006 تم عقد أول اجتماع وزاري للمجموعة بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما تقرر خلال قمة بريكس بالبرازيل في 15-16 يوليو 2014، إنشاء بنك للتنمية وتبني معاهدة لوضع احتياطي طارئ للمجموعة، التي باتت تمتلك ما مجموعه 200 مليار دولار.

وتعمل مجموعة بريكس على تشجيع التعاون التجاري والسياسي والثقافي بين الدول المنضوية تحت عضويتها. وتعتبر كل دول بريكس الخمس دولًا صناعية، وتتميز بضخامة اقتصاداتها. وقد حققت كل الدول الأعضاء، ربما باستثناء روسيا، نموًا مستديمًا، أكثر من معظم البلدان الأخرى، ذلك ما عدا فترة أزمة كوفيد 19. وربما كان أهم الإشارات إلى أهمية “بريكس” للاقتصاد العالمي نصيبها من احتياطيات العملة الأجنبية. وتوجد أربع دول أعضاء في المجموعة من بين أكبر عشر دول تحتفظ باحتياطيات تبلغ نحو 40% من مجموع احتياطيات العالم. وتملك الصين وحدها 2.4 تريليون دولار، كما تعتبر ثاني أكبر دائن بعد اليابان. كما تمثل مجموعة بريكس أكبر اقتصادات خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي نادي الأغنياء بالنسبة للاقتصادات الناشئة. وبالإضافة إلى الأهمية الاقتصادية للمجموعة، توجد الأهمية الديموغرافية، حيث يعيش بالدول الخمس نصف سكان العالم، ويوازي الناتج الاجمالي المحلي للدول مجتمعة ناتج الولايات المتحدة (13.6 تريليون دولار) ويبلغ مجموع احتياطي النقد الأجنبي لدول المنظمة أربعة تريليونات دولار.

الجدير بالذكر، أن بريكس ليس لديها سكرتارية أو ميثاق. ومنذ تأسيسها، تقوم الدولة التي تترأس المجموعة بتنظيم القمة التي تستضيفها، ويتم التنسيق على اختيار الدولة التي ستعقد القمة المقبلة بعد نهاية كل قمة، حيث تُعقد القمم بشكل سنوي. كما تختلف مجموعة بريكس كثيرًا عن بقية أشكال التجمعات والتحالفات والمنظمات التي شهدتها الساحة الدولية من قبل، فهذه الدول الخمس بينها رابط ثقافي مهم، وهو أنها لا تنتمي إلى “دائرة الحضارة الغربية”، بل تشكل مزيجًا متميزًا من حضارات مختلفة، حيث قمة الحضارة الشرقية العريقة؛ الهندوسية في الهند والبوذية في الصين، والحضارة السلافية الأرثوذكسية المتميزة عن الشرق والغرب معًا في روسيا، والحضارة الغربية اللاتينية في البرازيل، التي يتميز شعبها بثقافة وفنون متميزة كثيرًا، حتى عن الدول المحيطة بها، والحضارة الأفريقية في جنوب أفريقيا. لكن المؤكد أن الرابط السياسي الذي يربط هذه الدول الخمس، والذي على أساسه نشأت هذه المجموعة، هو رفض الهيمنة الغربية على الاقتصاد والسياسة العالمية، هذه الهيمنة التي تسببت في إغراق الاقتصاد العالمي في أزمات، يعاني الكثير للخروج منها، أنها لا يربطها نطاق جغرافي أو إقليمي. لذا يُمكن أن نسبغ عليها مصطلح المنظمة العابرة للقارات، أو بالأحرى المنظمة المرنة.

إجمالًا، يهدف تكتل بريكس إلى تقديم المساعدة المالية للدول الأعضاء، وغير الأعضاء، وتحقيق التنمية والتعاون، ودعم المشاريع والبنية التحتية، وتحقيق التكامل الاقتصادي للدول الأعضاء. كما تتمثل الأهداف الحقيقية لـ BRICS في عدة أمور منها ما يلي:

  1. إقامة نظام متعدد الأقطاب: منافسة مجموعة السبع التي تمثل 60% من الثروة العالمية، فيما تمثل دول بريكس 40% من مساحة العالم، حيث إنها تضم أكبر خمس دول في العالم من حيث المساحة. كما ارتكزت فكرة تأسيس مجموعة بريكس على تحقيق التوازن الدولي والخروج من سيطرة الغرب الاقتصادية، التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في المجالات كافة، إذ يعد أحد أهداف إنشاء التكتل إقامة نظام عالمي مُتعدد الأقطاب، وهو المطلب الذي تصاعدت وتيرته في الفترة الأخيرة، لتبدي عدة دول رغبتها في الانضمام إلى المجموعة. وقد أخذت “بريكس” اهتمامًا أكبر من السابق بعد الحرب الأوكرانية، والتشتت الحاصل في النظام العالمي، والاتجاه نحو تكتلات جيو-سياسية وجيو-اقتصادية أو جيو-استراتيجية. وبرزت أهمية “بريكس” خصوصًا بعد الاجتماع قبل الأخير الذي ضم تقريبًا عشرين دولة. وأصبحت هذه المجموعة تضاهي وتوازي منظمات، مثل مجموعتي السبع والعشرين”.
  2. دعم السلام وتحقيق التنمية: تهدف المجموعة إلى التعاون فيما بينها، ودعم السلام والأمن والتنمية الاقتصادية في العالم، خصوصًا أنها تضم فيما بينها الصين، التي تعد أكبر اقتصاد في العالم، والهند، وهي ثالث اقتصاد في العالم، ثم روسيا، التي هي أكبر مصدر للطاقة في العالم. كما تصبو دول المجموعة إلى خلق قطب اقتصادي آخر في العالم بدلًا من القطب الواحد، وخلق حالة من التوازن العالمي أمام هيمنة الاقتصاد الأمريكي والدولار على الاقتصاد العالمي، يعزز ذلك أن هذه المجموعة، من حيث الصناعات، ربما هي أقوى من مجموعة السبع، علاوة على قوة اقتصادات تلك الدول من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وتأتي ضمن العشر الكبار في العالم. كما تؤدي هذه المجموعة دورًا في تحييد أو تقليل تأثير العقوبات الاقتصادية على روسيا مؤخرًا، بعد أن رفضت الانضمام للعقوبات الاقتصادية، وبقيت تتعامل مع موسكو، خصوصًا الهند والصين، في مجال النفط والغاز.
  3. تعديل قواعد العولمة: التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية، وترى دول المجموعة ضرورة العمل على تعديل قواعد العولمة لتستفيد منها كل دول العالم، وليس الولايات المتحدة وحلفاءها فقط. وما يساعد دول المجموعة على تحقيق هذا الهدف، هو أن العالم يتجه نحو نوع من الشرذمة في النظام العالمي، والتشتت في ظل نهاية العولمة وتحولها إلى نوع جديد يتبلور عبر تكتلات إقليمية، مثل تكتل آسيا الجنوبية، وتكتل أوروبا، وأمريكا الشمالية، والاتحاد الأفريقي.
  4. تحقيق المصالح الجيواستراتيجية: حيث تُسهم دول المجموعة بـ 23% من الاقتصاد العالمي، و18% من تجارة السلع، و25% من الاستثمار الأجنبي، وتعد قوة مهمة لا يمكن تجاهلها في العالم. وفي هذا الإطار تحاول دول مجموعة بريكس، خاصة بعد الأزمة الأوكرانية، تفعيل وتبادل العملات المحلية بين دولها من أجل كسر شوكة الدولار أو التفوق عليه، وهي في ذلك تعول على سعر النفط ومبيعات البترول في محاولة لتحقيق أحلامها. وفي الواقع، فإن محاولات من مجموعة بريكس لأن تكون لديها عملة موحدة للتخلص من هيمنة الدولار الأمريكي، ستؤثر على المسار الاقتصادي العالمي. وهناك توقعات بأن تنتج بلدان مجموعة بريكس 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030، على الرغم أن مجموعة دول مجموعة بريكس ليست سوقًا مشتركة للتجارة الحرة. وقد نُوقِشَ موضوع “منطقة التجارة الحرة” المحتملة داخل مجموعة بريكس على أعلى المستويات على الأقل منذ عام 2015، عندما ذكر نائب وزير التنمية الاقتصادية الروسي آنذاك أن مثل هذا الاتفاق يمكن أن يكون ممكنًا في غضون 5 سنوات، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن. ويمكن القول إن “بريكس” تتبنى التجارة التفضيلية كباكورة لتحقيق أهداف التكامل الاقتصادي، وذلك من خلال العمل على تخفيض الرسوم الجمركية بين الدول الأعضاء.

ثالثًا، لماذا تسعى الدول للانضمام لـ “بريكس”؟:

بداية، هناك الكثير من الدول، من مختلف قارات العالم، تسعى الآن إلى الانضمام لـ “بريكس”، منها دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومصر والجزائر وإيران والأرجنتين وغيرها، ولكل دولة نقاط قوة ونقاط ضعف، لكن يظهر أن قادة بريكس يبحثون عن تعزيز المجموعة بغض النظر عن القوة الاستراتيجية للأعضاء الجدد من أجل تحقيق تكتل كبير من القطبية الاقتصادية. في الواقع، تهدف الدول التي تسعى إلى الانضمام إلى “بريكس” إلى تحقيق عدد من الأهداف، والتي من بينها:

أ. الحصول على التمويل وجذب فرص الاستثمار

ب. مواجهة الأزمات العالمية

ج. عصر التكتلات الكبرى. التوازن والتنوع في العلاقات

أهم التحديات التي تواجه “بريكس”:

على الرغم من تلك الفرص الواعدة التي يُعززها نهم العديد من الاقتصادات للابتعاد عن الدولار، فإن المجموعة لا تزال تحدها مجموعة من التحديات والعقبات، سواء الداخلية (المرتبطة بمدى تجانس الأعضاء، ومدى اتفاقهم على الأهداف الرئيسية والأولويات)، أو التحديات الخارجية، المرتبطة بصعوبات مقارعة الدولار المتغلغل في صلب النظام الدولي، الذي يهيمن على مفاصل التجارة الدولية، وبالتالي فإن فرص هز النظام القائمة على المدى المنظور تبدو ضعيفة بالنسبة لـ”بريكس”، التي تحتاج إلى مزيد من العمل لبلوغ تحقيق هدفها المنشود على المدى الطويل.

مواطن الضعف التي قد تكون كوابح بوجه تحقيق أهداف بريكس:

(1) محدودية الموارد: تعاني دول بريكس في العموم مشكلة الموارد المحدودة، التي تواجه اقتصاداتها، إذ تواجه الهند والصين نقصًا في المياه والطاقة، والتي تتزامن مع ثبات نمو إنتاج المحاصيل الزراعية، وهو ما يثير المخاوف من تفاقم الوضع الغذائي في الأعوام القادمة، على الرغم من أن الدولتين لديهما نوع ما من الاكتفاء الذاتي في الغذاء في الوقت الحاضر.

(2) غياب التنسيق: ما زالت بعض السياسات التجارية غير منسقة بين دول المجموعة، فهناك سياسات إغراق متبعة، منها إغراق السوق البرازيلية بالأحذية الصينية، وجنوب أفريقيا بالملابس الصينية، حيث واجهت صناعة النسيج ضربة كبيرة في جنوب أفريقيا بسبب المنتجات الصينية، كما فرضت الهند رسومًا على بعض السلع الصينية، وحدث من قبل خلاف بين بكين وموسكو حول تسعير النفط الروسي.

(3) غياب الروابط الجغرافية والثقافية: من المشاكل أيضًا التي تواجهها المجموعة أنها تجمعٌ أو تحالف يختلف بشكل كبير عن بقية التجمعات التي شهدتها الساحة الدولية، حيث لا يوجد رابط سياسي أو ثقافي واضح، كما لا يربطها رابط جغرافي أو إقليمي، بل تنتمي إلى أربع قارات مختلفة.

(4) التباين الاقتصادي: تعتبر هذه المجموعة غير متوازنة اقتصاديًا، فالتباين واضح لصالح الصين، سواء في الإنتاج أو التجارة الخارجية أو الاستثمار، بينما في الجانب السياسي فهو لصالح روسيا الاتحادية. لذلك يصنف البعض “بريكس” على أنها جسد رأسه روسيا، وجسده الصين، والدول الأخرى الأطراف. وأن روسيا تحاول الهيمنة على هذه المجموعة وتوجهها حسب مصالحها وتطلعاتها على الساحة الدولية.

(5) الصراع المتزايد مع الولايات المتحدة: تعاني دول المجموعة حزمة من المشاكل الخارجية، منها الحرب الأوكرانية، حيث لم تستطع موسكو حسم الصراع لصالحها، على الرغم من مرور ما يقرب من عام ونيف في ظل اصطفاف الغرب مع كييف، وتزويدها بكميات هائلة من الأسلحة الحديثة. فضلًا عن وصول الصراع بين بكين وواشنطن إلى حافة الهاوية، حيث تعمل الولايات المتحدة جاهدة على تطويق الصين، والحد من نفوذها في منطقة المحيطين الهندي والهادي، ولتحقيق ذلك عملت واشنطن على إقامة شراكات استراتيجية مع الدول المجاورة لبكين، وإقامة تحالفات “إيكواس” و “العيون الخمس”.

(6) الصراعات البينية بين دول المجموعة: تعاني بعض دول المجموعة تفجر بعض الصراعات فيما بينها، مثل النزاع الحدودي بين الهند والصين، فضلًا عن التنافس الاقتصادي والاستراتيجي بينهما، كما أن هناك الكثير من المخاطر السياسية المحتملة لانضمام دول جديدة، مثل إيران وكذلك الأرجنتين، التي تقدمت بالفعل بطلب انضمام، دعمته الصين وروسيا، بوصفها عضوًا ناطقًا بالإسبانية من أمريكا اللاتينية. وفضلًا عن ذلك، كان طلب الأرجنتين للعضوية في “بريكس” محل انقسام داخلي، ما بين وجهة نظر مؤيدة تؤكد أهمية الروابط التجارية والمالية مع الصين والشراكة معها في “مبادرة الحزام والطريق”، والتبادل التجاري المتنامي مع الهند، والمزايا التي يمكن للأرجنتين الحصول عليها من قبولها عضوًا في “بنك التنمية الجديد”، ووجهة نظر أخرى رافضة باعتبار أن هذا الانضمام ستكون له عواقب سلبية على علاقات الأرجنتين بالولايات المتحدة وأوروبا.

المسارات المستقبلية لمجموعة البريكس

يتخذ مستقبل المجموعة عدة مسارات متنوعة هي:

المسار الأول: التحول إلى قطب دولي: وهو السيناريو الأكثر تفاؤلًا، حيث تنجح دول المجموعة في التحول إلى فاعل دولي قوي. ويقوم هذا السيناريو على افتراض قدرة دول “بريكس” على تجاوز خلافاتها البينية، خاصة في الشؤون الاستراتيجية والتقاء مشاريع كل من هذه الدول حول استراتيجية تغيير بنية النظام الدولي الراهن، والانتقال إلى النظام الدولي المتعدد الأقطاب الذي ينهي عهد الهيمنة الأمريكية. كما يقوم هذا السيناريو أيضًا على انضمام عدد من الدول الفاعلة إقليميًا ودوليًا للمجموعة، مثل الإمارات والسعودية، الأمر الذي يزيد القوى الاقتصادية والسياسية لـ “بريكس”، ويوفر لها الأموال اللازمة لتطوير المؤسسات والمشاريع الاقتصادية والمالية للمجموعة. وتنجح دول المجموعة في عقد الصفقات وتبادل إسناد القروض عبر تأسيس آليات نقدية ثنائية أو بين الدول الخمس، وتأسيس قاعدة تعاون استثمارية وتجارية مشتركة، وتأسيس منظومة تعاون نقدية متعددة المستويات بين دول المجموعة، وبذلك يمكن من خلال إطار التعاون المالي بين دول المجموعة دفع احتساب التجارة بالعملة المحلية، والتوسيع المستمر لنطاق ومجال تبادل اعتماد العملة المحلية بالعلاقات الثنائية أو متعددة الأطراف بين الدول الخمس، الأمر الذي سيسهل المبادلات التجارية والاستثمار بين دول المجموعة، ويدفع بالتعاون والاستثمار المشترك بينها.

المسار الثاني: استمرار الوضع الراهن: وهو السيناريو الوسط، ويفترض هذا السيناريو استمرار الوضع الدولي الراهن للمجموعة كما هو عليه. فقد تنجح دول المجموعة في ضم أعضاء جدد، لكن من دون أن تتحول إلى قطب دولي، أو تحد من دور الولايات المتحدة العالمي، وربما يظل دورها في التصدي والتنديد بالسياسات الأمريكية. كما تظل المؤسسات المالية التي أنشأتها دول المجموعة غير فاعلة بالمستوى المرغوب فيه. وفي ظل هذا السيناريو قد تزداد قدرة المجموعة على التأثير على جدول الأعمال العالمي، ولكنها تفشل في المساهمة في فرض قضايا محددة على الأجندة الدولية.

المسار الثالث: الاحتواء وتأكيد الهيمنة الأمريكية: وهو السيناريو الأكثر تشاؤمًا، حيث تفشل دول المجموعة في التحول إلى فاعل دولي قوي. ويفترض هذا السيناريو، غلبة التحديات التي تواجه “بريكس” على الفرص التي تتمتع بها دوله، وهذا ما سيقود إلى غلبة الخلافات البيئية، والابتعاد بين دوله، وبالتالي فشل مشروع “بريكس” في لعب دور دولي مؤثر، والمساهمة الفاعلة في تغيير شكل النظام الدولي الراهن. وفي ظل هذه السيناريو تنجح الولايات المتحدة في استقطاب بعض دول المجموعة، وتفشل روسيا في الحرب الأوكرانية، وتقبل بالشروط الغربية لعملية السلام، وتنضم أوكرانيا مع غيرها من دول أوروبا الشرقية إلى حلف الناتو، فضلًا عن اتساع الخلافات الهندية الصينية. وفي ظل هذا السيناريو أيضًا، تنجح الولايات المتحدة في احتواء واستنزاف القدرات الصينية. أخيرًا، يمكننا القول إن السيناريو الأكثر تحققًا على المدى القريب، هو السيناريو الثاني، حيث ستعمل دول المجموعة جاهدة على توسيع التعاون المشترك، وتوسيع قاعدة العضوية، ولكن لن تصل إلى حد أن تكون قطبًا دوليًا فاعلًا يستطيع فرض أجندته على باقي دول العالم.

أخبار سارة بعودة العلاقات المصرية الإيرانية

وزير الخارجية الإيراني يدلي بتصريحات مهمة حول العلاقات المصرية الإيرانية.

مصر دولة مهمة عربياً وإسلامياً.
للشعب المصري وللحضارة المصرية مكانة ودور على مر العصور وعلى مستوى العالم.
الشعب المصري والشعب الإيراني مهتمان ببعضهما البعض.

خمس تصريحات مهمة لوزير الخارجية الإيراني حول العلاقات المصرية الإيرانية:

١) ليس لدينا مشكلات مع مصر.

٢) الملف السوري كان أول الملفات التي حظيت بتنسيق مشترك مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو لازال أهم ملفات التوافق المصري الإيراني، المشاورات المصرية الإيرانية المشتركة، كانت تهدف بالأساس إلى حماية وحدة وسيادة الدولة السورية والمحافظة على النظام السوري والقضاء على الإرهاب ومحاصرة جميع العمليات الإرهابية داخل سوريا.

https://www.youtube.com/watch?v=0llF6tSmA2A
أول لقاء للرئيس السيسي بوزير الخارجية الإيراني

٣) انتظروا ارتقاء متدرج متصاعد للعلاقات المصرية الإيرانية.

٤) سلطان عمان توسط خلال زيارته الأخيرة لإيران لتطوير العلاقات المصرية الإيرانية، وزيارته لطهران جاءت بعد اسبوع من زيارته لمصر، حيث تحدث خلال مقابلته للرئيس عبد الفتاح السيسي عن أهمية وضرورة تطوير العلاقات المصرية الإيرانية، وقد تلقى ردًا إيجابياً من الرئيس السيسي في هذا الأمر.

٥) رسائل القيادة المصرية التي حملها سلطان عمان في آخر زيارة له إلى مصر، وصلت إلى أعلى مستويات القيادة في إيران، التي أعطت لسلطان عُمان ردوداً إيجابية جداً بشأنها.

د. مدحت حماد

تمت الترجمة بواسطة د. مدحت حماد

اللواء الدكتور شوقي صلاح: رؤية تحليلية لأحداث شغب فرنسا “يونيو 2023” (الحلقة الثالثة)

موجز بشأن المقالين السابقين:

- تناولنا في المقال التحليلي الأول واقعة قتل الشاب "نائل" خاصة من زاوية قانونية، مؤكدين على أنها تمثل جريمة قتل عمد، وأن الشرطة الفرنسية تحاول في مثل هذه الأحداث أن تحتويها بدعوى تنفيذها للقانون وفقاً لأحدث تعديلاته.. إلا أن الجرم الأخير انتشر بفضل تداول أحداثه من خلال تسجيل مرئي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وأظهر التسجيل أن الشرطي ارتكب جرم القتل بدم بارد، لشاب غير مسلح، ومن أصول أفريقية.

- كما حاولنا في المقال الثاني الإجابة على سؤال جوهري: لماذا تحولت الاحتجاجات لأعمال عنف وإحراق وسلب ونهب واسعة النطاق؟؟؟ وتناولنا في وقفة تحليلية تصريحات كبار المسئولين في الدولة الفرنسية، كما عرضنا بشكل موضوعي الجوانب السلبية والإيجابية لأداء الشرطة الفرنسية.

- سنحاول الإجابة في مقالنا هذا على سؤال نراه جوهري بامتياز؛ ألا وهو: هل كانت هناك خيارات أفضل للقيادة السياسية الفرنسية للتعامل مع الأزمة منذ بدايتها؟

ماكرون والخيارات المتاحة لمواجهة الأزمة:

- لقد صاحبت بداية الأزمة (وقع القتل يوم الثلاثاء، الساعة الثامنة صباحا تقريباً، في 27 يونيو، بمدينة نانتير الفرنسية) وبالطبع أُخطر على الفور ماكرون بتفاصيله، ورغم هذا، حضر في اليوم التالي مباشرة، أي مساء الأربعاء، رغم بدء أعمال الاحتجاجات، حفلاً غنائياً للمغني "إلتون جون" ورقص هو وزوجته على أنغام موسيقى الحفل، وكأن شيئاً لم يكن، مما يؤكد أن الرئيس وكبار مستشاريه يفتقدون للحس الأمني والسياسي معاً.. وبعد انتشار أعمال التخريب المتعمدة على نطاق واسع، فقد رأس ماكرون اجتماع خلية أزمة يوم الجمعة الموافق 30 يونيو، وكان من باب أولى أن تنعقد خلية الأزمة هذه وقت الحفل الموسيقي، فسرعة التدخل في مثل هذه الأزمات، واتخاذ القرارات المناسبة، على المستوى الأمني والإعلامي والقانوني والإنساني.. عوامل حاسمة في التخفيف من الأضرار المتوقع حدوثها.

هل إعلان ماكرون لحالة الطوارئ واستدعاء الجيش كان الخيار الأفضل؟؟؟

* بداية، ماهي السلطات التي تُـمنح لأجهزة الإدارة بعد إعلان حالة الطوارئ؟

- قنن المشرع الفرنسي حالة الطوارئ في فرنسا بموجب قانون صدر في 3 أبريل 1955 وتم تعديله عدة مرات؛ لا سيما بموجب الأمر الصادر في 15 أبريل 1960 وقانون 20 نوفمبر 2015، حيث يمكن بقرار من مجلس الوزراء أن تعلن حالة الطوارئ في كل أو جزء من إقليم الدولة، وذلك لمواجهة أخطار وشيكة الحدوث، أو انتهاكات خطيرة للنظام العام، أو في حالات الكوارث العامة (كارثة طبيعية ذات حجم استثنائي).

- وتعلن حالة الطوارئ في فرنسا لمدة أولية قدرها اثنى عشر يومًا، ويمكن تمديدها بالتصويت بالموافقة يصدر من البرلمان. وهذا النظام الاستثنائي يعزز سلطات الدولة؛ حيث يمكن فرض بعض القيود على الحريات العامة أو الفردية، ويخوِّل وزير الداخلية وقيادات إدارية أخرى، السلطات الآتية:

* حظر التظاهرات والمواكب والمسيرات والتجمعات على الطرق العامة؛

*إنشاء محيط حماية لضمان أمن مكان أو حدث؛                                           

*حظر بعض الاجتماعات العامة أو إغلاق الأماكن العامة ودور العبادة؛                    

* حجب المواقع التي تدعو أو تمجد الأعمال الإرهابية؛

* حظر الإقامة في أماكن معينة أو فرض الإقامة الجبري في أماكن بعينها.

ترأس ماكرون اجتماع خلية أزمة:
(أن تأتي متأخرًا أفضل من ألا تأتي على الاطلاق!!)

ربما لم يُعلن ماكرون حالة الطوارئ لتخوفه _وخلية الأزمة التي رأسها_ من التداعيات الاقتصادية التي تترتب على إعلانها، فمؤكد أن السياحة في فرنسا ستتأثر كثيرا بهذا الإعلان. ونرى من جانبنا أن متطلبات حماية الأمن الداخلي وإنهاء هذه الاضطرابات يفترض أن تكون له الأولوية لدى متخذ القرار السياسي، وليُنهي حالة الطوارئ، إن استقرت الحالة الأمنية، وبهذا تنحسر الخسائر في أدنى مستوياتها. ورغم انتشار أعمال التخريب على نطاق واسع، إلا أن ماكرون ومسئوليه اكتفوا فقط بإصدار قرارات لحظر التجوال في بعض المدن، بجانب تعزيز قوات الأمن في مختلف مدن فرنسا، وذلك بما يقرب من 45 ألفاً من عناصر الشرطة، خاصة في المدن الأشد تأثراً بالأحداث.

45 ألف شرطي فرنسي:
هل يحمون فرنسا من عنصرية قادتها؟

خطورة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على تأجيج أعمال العنف

- أشار ماكرون في خطابه للجمهور الفرنسي بأنه أمر بالتحقيق في أعمال التحريض التي ارتكبت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. ولنتوقف هنا أمام الدور الخطير لهذه المواقع في تأجيج أعمال العنف، ولا نبالغ بالقول بأن هذه المواقع تساهم أيضاً في ارتكاب أعمال السلب والنهب، وغني عن البيان أنه يمكن توظيفها أيضا للقيام بدور إيجابي في هذا الأحداث.

- وهدياً على ما سبق طرحه من تقييم لجدوى السلطات التي تُمنح لجهات الإدارة في ظل إعلان حالة الطوارئ، نرى أن أهم سلطة تؤثر إيجاباً أم سلباً في السيطرة على مثل تلك الأحداث؛ هو ما يتعلق بمواقع التواصل الاجتماعي، ونقترح على المشرع الفرنسي أن يُعدل قانون الطوارئ المشار إليه، بما يسمح لسلطات الدولة أثناء إعلان هذه الحالة بحجب أو تقييد هذه المواقع بشكل مؤقت، وذلك في حالات اندلاع أعمال شغب واسعة النطاق، على أن يكون الحجب لمدة زمنية لا تتجاوز الأسبوع، وتجدد لمرة واحدة فقط حال استمرار أعمال الشغب والتخريب والجرائم الخطيرة المصاحبة لهما.     

https://www.youtube.com/watch?v=lD1mzqyt9ec

- جدير بالذكر هنا، أن النقابة التي تمثل العاملين بأجهزة الشرطة الفرنسية طالبت السلطات بضرورة إعلان حالة الطوارئ، واستدعاء الجيش للقيام بتأمين المدن خاصة الأهداف الحيوية، حتى تستطيع الشرطة السيطرة على الموقف وتأمين باقي الأهداف. ونؤيد دعوة النقابة فيما ذهبت إليه، حيث كان من الأولى أن يُعلن ماكرون حالة الطوارئ يوم الجمعة الموافق 30 يونيو 2023، أي بعد يومين من بدء أعمال التخريب والسلب والنهب، لتبدأ مهام الجيش في الساعات الأولى من صباح السبت مباشرة. واعتقد أنه في ظل هذين الإجراءين، فإن أعمال التخريب والجرائم الخطيرة التي ارتكبت، كانت سترتكب ولكن على نطاق محدود جداً. 

- ولعلنا نتذكر معاً أن حالة الطوارئ تم فرضها بفرنسا في أعقاب الهجمات الإرهابية التي وقعت في 2015، وفي 2020، حيث تم إعلان حالة الطوارئ الصحية للتعامل مع وباء (Covid-19)، لنتساءل بشكل مقارن في هذا المقام: هل أحداث شغب يونيو 2023 أقل خطورة من الظروف المحيطة بهاذين الموقفين المشار إليهما؟.

- في ختام هذا المقال أقول: شكراً لكل من اهتم بمتابعة المقالات الثلاث التي قدمتها حتى تاريخ كتابة هذه السطور، في شأن طرح رؤية تحليلية لأزمة أحداث شغب فرنسا، وبإذن الله سنستأنف تسليط الضوء على ملفات أخرى مرتبطة بالموضوع المشار إليه.

** أستاذ القانون وعضو هيئة التدريس بكلية الشرطة

رئيس برنامج الدراسات الأمنية بمركز الفارابي للدراسات

وخبير مكافحة الإرهاب

قريبًا على موقع الفارابي: الدكتور مدحت حماد.. الانتخابات الرئاسية في مصر 2024

اعتبارًا من الأحد القادم الموافق 9 يوليو 2023 سوف ينشر مركز الفارابي سلسلة مقالات للأستاذ الدكتور مدحت حماد حول الإنتخابات الرئاسية المصرية (يونيو 2024). سوف يتناول فيها الأبعاد الخاصة بهذه الإنتخابات على المستويات الثلاث: المحلي والإقليمي والدولي، وكذلك الاحتمالات الخاصة بالشخصيات التي سوف تتنافس مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذه الإنتخابات والتوقعات الخاصة بهم.

اللواء الدكتور شوقي صلاح يكتب: رؤية تحليلية لأحداث شغب فرنسا يونيو 2023 (الحلقة الثانية)

في المقال الأول:

* تناولنا موضوع أحداث شغب فرنسا (يونيو 2023) من زاوية المسئولية الجنائية للشرطي الذي ارتكب جناية القتل العمد للشاب "نائل المرزوقي" مؤكدين على أن الجريمة لا علاقة لها بجنحة القتل الخطأ، موضحين أحكام نص المادة 435 من قانون الأمن الداخلي التي تنظم ضوابط استخدام الشرطي لسلاحه الناري، وأن هذا الاستخدام يكون في حالة الضرورة القصوى، كما يجب أن يكون متناسباً مع خطورة الاعتداء الذي يواجه الشرطي، وأن التسجيل المرئي أكد على أن الخطر الذي واجهه الشرطي لا يتناسب مطلقاً واستخدامه للنيران القاتلة في مواجهة المجني عليه، خاصة وأن الأخير لم يكن مسلحا، ولم يستخدم السيارة التي يقودها كسلاح. ثم عرضنا في نهاية المقال للضوابط التي أوصت بها بعض المواثيق الدولية الصادرة في شأن استخدام المكلفين بإنفاذ القانون للأسلحة حال تنفيذهم لمهام أعمالهم.

برج إيفل لم يحترق، وهي مجرد صورة رمزية لها دلالتها

* نظرة تحليلية لتصريحات المسئولين الفرنسيين:

- أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن "باريس ستحقق في دور وسائل التواصل الاجتماعي في التحريض على أعمال الشغب" وهذا حقه،كما دعا إلى التزام الهدوء وأن يتحمل الآباء مسؤولية أبنائهم، وهو أمر يحتاج إلى توضيح لمدى تلك المسئولية.. . كما صرح وزير الداخلية الفرنسي أنه سيتم نشر تعزيزات أمنية كبيرة، بالإضافة إلى إرسال مدرعات وطائرات هليكوبتر، وسيتم أيضاً نشر خمس وحدات أمنية متخصصة من أجل التمكن من استعادة الأمن والنظام العام بالكامل. 

- أتوقف في هذا السياق أمام "كلمة ماكرون" بأن باريس ستحقق في أعمال التحريض التي تمت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، فقد تمثل بعض المشاركات بالفعل أعمالا تحريضية على ارتكاب جرائم، بما يرتب على مرتكبيها مسئولية جنائية، وأُذَكـره هنا – وإن كانت المقاربة ليست دقيقة بالقدر الكافي - بموقف غربي موحد، استهجن قيام الأجهزة المصرية المعنية بالاتصالات بإعاقة حركة مواقع التواصل الاجتماعي أثناء أعمال الشغب التي صاحبت أحداث يناير وفبراير 2011 في مصر، وأطلق على الأحداث وقتها "ثورات الربيع العربي" التي شهدت في جانب منها أعمال عنف وسلب ونهب مماثلة لما يحدث الآن في فرنسا.

ماكرون يحضر حفل غنائي راقص رغم انتشار الاحتجاجات الشعبية لقتل "نائل"

- ما قاله ماكرون وأشرنا إليه مقبول بشكل عام.. إلا إنني حقاً صدمت من موقف وزير العدل الفرنسي، حيث صرح بأنه: "على الآباء والأمهات الذين لا يهتمون بأطفالهم (دون 17 عامًا)، ويتركونهم في الخارج ليلا وهم يعرفون أين يذهبون، سيواجهون عقوبات تتراوح بين الحبس لمدة عامين، وغرامة مالية بقيمة 30 ألف يورو". وأتوجه للسيد وزير عدل فرنسا -دولة القانون والحريات- قائلاً ومتسائلاً في نفس الوقت: تقصد أنه على أولياء أمور هؤلاء الشباب واجب النصيحة، أم أنك تمنحهم سلطة منع أبنائهم من الخروج من المنزل للمشاركة في أعمال الاحتجاجات، وإن تطلب الأمر منعهم بالقوة، فالآباء وفقاً لتصريحك سيتعرضون لمسئولية جنائية خطيرة؟ وأضيف لهذا الوزير الذي يُفترض أنه يعلم بأن من أهم مبادئ المسئولية الجنائية التي يدرسها الطلبة في كليات القانون أن "العقوبة شخصية"، وكان أولى بك يا وزير العدل أن تناشد الآباء بأن يحرصوا على توعية أبنائهم من مخاطر الاندفاع بالمشاركة في أية أعمال شغب أو سلب ونهب، حرصاً على تجنب المسئولية الجنائية التي قد يتعرضون لها، ووقتها لن ينفع الندم.. وأن أعمال التخريب سيتحمل تبعاتها الجميع، وليدعو الوزير الآباء ابناءهم أن يتساءلوا: هل ترضى أن يقوم أحد المحتجين بحرق سيارتك؟ ما لا تقبله على نفسك لا تقبله على الآخرين، وكان أولى بك يا وزير العدل أن "تُطمئن الشعب الفرنسي إلى أن العدالة ستأخذ مجراها بشأن جريمة قتل الابن "نائل" وأنه في فرنسا لا أحد فوق القانون.. كما كان عليك أن توجه حديثك للمخربين قائلاً "ستشعرون قريباً جداً بقوة القانون، فكل من أخطأ وأجرم سيحاسب عن فعله".

* أسباب العنف المفرط من قبل المحتجين على قتل الشاب "نائل"

 هذه المشاهد الصادمة لأعمال العنف المفرط وجرائم السلب والنهب والإحراق العمدي التي ترتكب في سياق الاحتجاجات تجعلنا نتساءل : لماذا ترتكب كل هذه الجرائم؟ هل من المعقول أن ترتكب هذه الجرائم في فرنسا؟ بل وتمتد لدول أوروبية أخرى كبلجيكا وسويسرا ؟ على أي حال أؤكد مبدئياً رفضي لكل أعمال العنف، وبالأخص ما يصاحبها من جرائم سلب ونهب وإحراق للمباني والسيارات عامة وخاصة، وكل اعتداء على عناصر الشرطة والمسئولين في فرنسا، وسوف أبرز للقارئ المحترم أهم أسباب هذا العنف رغم شجبي له:

1- الضغينة التي يحملها الجمهور، خاصة من أحفاد الفرنسيين من أصول أفريقية ضد الشرطة نتيجة زيادة معدلات استخدام الشرطة للقوة القاتلة، خاصة في مواجهات مع هذه الفئات، وذلك في حوادث مرورية مشابهة لحادث "نائل"، فهناك ٣٩ حالة قتل لأشخاص من أصول أفريقية خلال عام ٢٠٢٢ فقط، وهنا يدخل عامل العنصرية كمؤثر في تنامي روح الكراهية ضد الشرطة.

2- خطاب اليمين المتطرف المتوشح بصيغة الكراهية والعنصرية أصبح مطروحا للتداول بشكل يومي مستمر على المنصات الإعلامية الفرنسية بجميع تصنيفاتها، بل ويتبناه الكثير من الساسة في فرنسا ويجد قبولاً من نسبة لا يستهان بها من الشعب الفرنسي.. لذا فلا تستغرب ردود الأفعال التي نراها في فرنسا الآن - وهي قضية تهم أوروبا بشكل عام - هذا ومن دواعي الخطورة البالغة ما قام به بعض أنصار اليمين المتطرف من نزول للشارع ورفع لافتات "فرنسا للفرنسيين" كما أرشدوا الشرطة للقبض على المخربين، مما يهدد باندلاع حرب أهلية يمكن أن تشتعل حال حدوث صدام ميداني بين الفئتين.

الجدير بالذكر أيضاً الإشارة إلى: وجود انقسام حاد داخل المجتمع الفرنسي بصدد الأزمة، فاليمين المتطرف يدعم أجهزة الشرطة مدعياً أنها تقوم بواجبها، متجاهلاً إلى حد كبير الجرائم التي ارتكبت.. بينما اليسار يذهب إلى إعادة النظر في التعديلات التشريعية التي تمت في ٢٠١٧، ويدعو لتطوير المنظومة التدريبية لعناصر الشرطة بشأن ضوابط استخدامها للقوة، وأتفق تماماً مع الرأي الذي يذهب إلى أن منظومة التدريب الأمني لعناصر الشرطة الفرنسية بها خلل جسيم في موضوع ضوابط استخدام الشرطة للقوة.. ويجب معالجته.

3- لقد أثيرت حفيظة المحتجين، خاصة بعد انتشار أخبار جريمة القتل العمد التي ارتكبها الشرطي في مواجهة "نائل" وهي مدعمة بتسجيلات مرئية للواقعة نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ورغم هذا تعالت أصوات تَدَعي بأن الجريمة مجرد جنحة قتل خطأ ارتكبها الشرطي.

4- هناك سبباً إضافياً لأعمال العنف المشار إليها، يتمثل في قيام جانب من الجمهور الفرنسي الذي يعارض ماكرون بشأن مشروع تعديل سن التقاعد "جمهور  السترات الصفراء" قد انتهزوا الفرصة وانضموا لأعمال الشغب في الميدان.

5- نسبة كبيرة من المحتجين (30%) ينتمون لفئة عمرية صغيرة، حيث تتراوح أعمارهم بين ١٢: ١٧عاما، وهي فئة تتسم أفعالها بكونها متهورة، وعنفها مبالغ فيه؛ وإدراكها محدود.

6- ولا يفوتنا في هذا السياق التأكيد على أن؛ مثل هذه الاحتجاجات ينضم إليها عصابات ومجرمين جنائيين يجدوا الفرصة سانحة أمامهم للقيام بأعمال السلب والنهب أثناء تلك الأحداث.

* هذا، وبجانب الأسباب السابق ذكرها هناك أسباب أخرى لا يمكن إغفالها أيضاً؛ فمنذ شهرين فاجأنا وزير الداخلية الفرنسي بتصريح صادم مفاده: أن الخطر الأكبر على فرنسا يأتي من الإسلام السني – تجاوز عدد مسلمي العالم الـ 2 مليار مسلماً، وتقدر نسبة السنة منهم حوالي 85% - فهل يدرك هذا المسئول أن تصريحه هذا يعد معاداة للغالبية العظمى من مسلمي العالم، وأن بفرنسا وحدها ما يقرب من خمسة مليون مسلم سني!!! إنه تصريح يحمل روح الكراهية والعدائية للمسلمين، وغالباً ما يحمل أهدافاً سياسية.. وأقل ما يوصف به صاحبه هو: أن موقفه يبتعد كثيراً عن الحكمة السياسية.

وفي نطاق الاحتجاجات وأعمال العنف المشار إليها، رفع جانب من المحتجين لافتات "أوقفوا الحرب في أوكرانيا" فنسبة لا يستهان بها من الشعب الفرنسي يرفضون الاستمرار في دعم أوكرانيا وإطالة أمد الصراع بها، لمردوده السلبي على الأوضاع الاقتصادية بشكل عام، ناهيك عن مخاطر انخراط القوى العظمى في حرب نووية، سيكون الجميع فيها خاسراً، ومن المؤكد أن الخسائر قد تتمثل في إبادات جماعية لدول.

* الشرطة الفرنسية تتحلى بقدر كبير من ضبط النفس في المواجهات:

هذا، وإن كنا قد انتقدنا الأداء الأمني للشرطي قاتل الشاب "نائل" وكذا الأداء السياسي لبعض الساسة الفرنسيين، إلا أننا نقدر أداء الشرطة الفرنسية في مواجهة أعمال الشغب، والذي اتسم بقدر وافر من ضبط النفس، رغم أعمال العنف واسعة النطاق، التي ارتكبت فيها أعمال إحراق وسلب ونهب. مع هذا لم تستخدم الشرطة القوة القاتلة لمنع هذه الجرائم، بل استطاعت القيام بمهام القبض على عدد كبير من مرتكبي تلك الجرائم – تجاوزت أعداد من تم القبض عليهم 3000 متهماً - باحترافية أمنية عالية.

* رسالة لليمين المتطرف بالمجتمعات الغربية:

مارين لوبان زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف هل تصبح رئيس فرنسا القادم؟

كلمة أوجهها لتيار اليمين المتطرف بالمجتمعات الغربية: إن بلادكم نَهَبت خيرات العديد من دول أفريقيا، من خلال الاحتلال تارة، ومن خلال الاستعمار الاقتصادي تارة أخرى.. وقد اعتمدت فرنسا ودول أوروبية أخرى بعد الحرب العالمية الثانية على جهود أبناء تلك الدول الأفريقية لإعادة نهضتها وتقدمها. الآن هناك من يرفع شعار "فرنسا للفرنسيين فقط " ويدعون أنها همجية ذوي الأصول الأفريقية.. وتؤكد الاحصاءات تقدم شعبية الأحزاب التي تنتمي لليمين المتطرف في عموم أوروبا، وليس في فرنسا فقط.

ولكل دعاة الفصل العنصري في فرنسا –على سبيل المثال- أقول: لقد فعلها جانب كبير من الفرنسيين ممن يطلق عليهم "أصحاب السترات الصفراء" فارتكبوا ذات السلوك الهمجي في احتجاجاتهم ضد مشروع ماكرون لتعديل نظام التقاعد.. ومن قبيل المصارحة بالحقائق، فقد انتشرت لديكم ثقافة العنف.. والأمر في رأيي أن ذلك كله:

مارين لوبان زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف : مادا لو أصبحت رئيس فرنسا القادم؟

يرجع إلى تدني مستوى الأخلاق والقيم.. فمجتمعاتكم برجماتية إلى أقصي مدى، وتتسع فيها الهوة كثيرا بين الأغنياء والفقراء، واستراتيجيتكم التي تتسم بالعنصرية هي التي أجهضت منذ نصف قرن تقريباً كل الدعوات التي أكدت على أهمية دعم ذوي الأصول الأفريقية في فرنسا وتحسين ظروف معيشتهم.

مع هذا، فإن لدي وطيد الأمل في أن أرى فرنسا عاصمة الثقافة في الدنيا كلها، وقد عاد وجهها المشرق مرة ثانية.. ولتتبنى الدولة الفرنسية والدول الأوروبية التي تحارب الهجرة وتعطل حقوق اللاجئين استراتيجية أخرى تنطلق من تطوير مستعمراتها السابقة لتصبح دولاً جاذبة لأبنائها، وليتخلوا عن استراتيجية إضعاف الدول ونشر عوامل الفساد داخلها لتظل خيراتها منهوبة.. وخلاصة القول: حققوا أهدافكم من خلال تنمية مستدامة لمستعمراتكم السابقة، تنمية تحققون من خلالها مكاسب عديدة.. وبموجبها يصبح الجميع رابحاً.

أستاذ القانون بكلية الشرطة.

رئيس برنامج الدراسات الأمنية بمركز الفارابي للدراسات.

خبير مكافحة الإرهاب.

الدكتور محمد السعيد ادريس يكتب: استراتيجية تصدي “التنين الصيني” لأمريكا.

التمرد الصيني بالقوة الإستراتيجية

للتمرد الصيني على سياسات الهيمنة والغطرسة والتفرد الأمريكية أوجهاً كثيرة وهذا ما يعطيه الأهمية التي تحظى بها عند الأمريكيين كمصدر أول للتهديد. أبرز، وربما أهم، هذه الأوجه هو ذلك التمرد الاستراتيجي، أي التمرد والتحدي عبر امتلاك القدر اللازم النوعي والكيفي من مصادر القوة الاستراتيجية الشاملة: الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية. فالصين، وعبر هذه المصادر المحورية للقوة، لم تعد قادرة فقط على أن تقول "لا" لسياسات الاستعلاء وإملاء الشروط الأمريكية، بل وأن تطرح نفسها كقوة شريكة، إن لم تكن بديلة، فى قيادة نظام عالمي جديد أكثر عدالة وديمقراطية.

وإذا كانت الصين قد أبهرت العالم أول ما أبهرت بقوتها الاقتصادية عندما استطاعت أن تنافس الولايات المتحدة الأمريكية فى حجم الناتج القومي الإجمالي الذي يتقدم بمعدلات متسارعة عكس الحالة الأمريكية، حيث من المقدر أن يوازى نظيره الأمريكي حتى عام 2025 أو بعد ذلك بقليل، فإنها باتت تفوق اقتصاديا على الولايات المتحدة وفق مؤشرات أخرى للتقدم. فالميزان التجاري، بين البلدين، يعمل لصالح الجانب الصيني لعدة سنوات متتالية حيث بلغ 418,23 مليار دولار فى العام 2018 و404,1 مليار دولار فى العام 2022، كما بلغ حجم الاستثمار الصيني فى سندات وأذونات الخزانة الأمريكية 1060,1 مليار دولار فى بداية عام 2022، وتعتبر الصين المقرض الثاني للولايات المتحدة، وكانت لسنوات هي الدائن الأول للولايات المتحدة، لكن الأخطر من ذلك هو ما تقوم به الآن، بالتعاون مع شركاءها فى منظمة "بريكس" خاصة روسيا من أدوار لكسر أهم مرتكزات القوة الاقتصادية الأمريكية متمثلة فى الدولار الأمريكي، عبر تكريس سياسة التبادل التجاري بالعملات الوطنية متحررة من الدولار بينها وبين دول هذه المجموعة التي تضم إلى جانب الصين روسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، والسعى لإصدار عملة بديلة للدولار ، وربما تصدر هذه العملة فى مؤتمر المجموعة الذي سيعقد فى جنوب أفريقيا فى شهر أغسطس القادم وعندها سوف يهتز عرش الدولار ومعه النفوذ الأمريكي، إذا أضفنا إلى ذلك التأثير المستقبلي لسياسة "الحزام والطريق" الاقتصادية الصينية التي أطلقها الرئيس الصيني عام 2013 وتهدف إلى "بناء سوق كبيرة موحدة" يجمعها التبادل التجاري والثقافي والثقة وهدفها "تعزيز الازدهار العالمي"، ستكون الصين مع اكتمالها قوة اقتصادية عالمية مؤثرة بشبكة واسعة تضم عشرات الدول، تجمعها روابط التعاون والثقة المتبادلة، باعتبارها عنوانا للدور الصيني العالمي المنتظر .

أما القوة العسكرية الصينية فقد بلغت مستوى أربع القيادات العسكرية الأمريكية للدرجة التي دفعت قائد القوات الأمريكية الإستراتيجية استراتكوم" الجنرال تشارلز ريتشارد إلى القول أمام الندوة السنوية لرابطة الغواصات البحرية وتحديث الصناعة أن "المنافسين مثل الصين يتفوقون على الولايات المتحدة بطريقة دراماتيكية وعلى الولايات المتحدة أن تُصعّد من لعبة الردع الخاصة بها، وإلا ستنهار"، وزاد على ذلك القول : "بينما أقوم بتقييم ردعنا ضد الصين، فإن السفينة تغرق ببطء.. إنها تغرق ببطء، لكنها تغرق، لأنهم فى الأساس يصنعون القدرة فى الميدان أسرع مما نحن عليه.. ومع استمرار هذه المنحنيات ، لن يكون الأمر مهما إلى أي مدى نحن جيدون، أو مدى جودة قادتنا، أو ما مدى جودة خيولنا.. لن يكون لدينا ما يكفى منها، وهذه مشكلة على المدى القريب جداً". وهو ما اعتبر اشارة إلى تفوق الصين فى عدد سفنها الحربية، وتسريعها بناء المزيد من حاملات الطائرات.

لم تأت هذه الشهادة من قائد عسكري أمريكي له وزنه ومكانته من فراغ فالقدرات العسكرية الصينية، التي كانت تحتل المرتبة الثانية من الاهتمام بعد أولوية التفوق الاقتصادي للصين، باتت تنافس هذا التفوق الاقتصادي للصين فى ظل إدراك صيني متنامي بعنف العداوة الأمريكية للصين. فالجيش الصيني الذي يحتل المرتبة الأولى فى العالم من حيث العدد (مليونين و35 ألف رجل وامرأة" والثاني من حيث الميزانية قرر زيادة مخصصاته بنسبة 7,2% فى عام 2023 الحالي، الأمر الذي سيسمح له بمواصلة مهماته التحديثية.

أما من حيث التسليح فالصين تملك 350 رأساً نووياً وفقاً لأرقام عام 2022 كما أوردها معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، وتمتلك الصين ثلاث حاملات طائرات، وتحرز القوات الجوية الصينية تطوراً سريعا على الأخص بمقاتلات جديدة مثل "16-J " والمقاتلات الشبح (20J) وهي طائرات "تضاعف على الأرجح" معدل انتاجها السنوي خلال السنوات الثلاث الماضية، أما بالنسبة للسلاح البحرى فإن الصين تقدم أحيانا على أنها أول قوة بحرية فى العالم من حيث عد السفن قبل الولايات المتحدة. هذه القوة العسكرية هي التي مكنت الصين من امتلاك القدرة على إظهار التحدي القوى للولايات المتحدة فى بحر الصين الجنوبى ومجمل إقليم جنوب شرق آسيا، وإجراء المناورات العسكرية قبالة سواحل تايوان، للدرجة التي  دفعت جنرالا أمريكيا هو "مايكل مينيهان" المنتمي إلى سلاح الجو إلى التحذير من المخاطر العالية لنشوب حرب مع الصين عام 2025 على الأرجح بسبب تايوان، وليست هناك شهادة على التفوق العسكري الصيني وبالذات القدرات التسليحية الصينية من التحذيرات الأمريكية للصين من العواقب الخطيرة لأي تورط صيني فى امداد روسيا بأسلحة متطورة فى حربها فى اوكرانيا خشية أن يؤدى ذلك إلى قلب موازين القوى فى هذه الحرب لصالح روسيا.

وإلى جانب القوتين الاقتصادية والعسكرية دخلت الصين أيضا ميدان التنافس على التفوق فى امتلاك القدرات التكنولوجية المتقدمة والمتفوقة. ردود الفعل الأمريكية العصبية على شركة "هواوى الصينية" العملاقة فى انتاج الهواتف المحمولة وتصنيع أجهزة إرسال الجيل الخامس المرتبطة بالتقنيات العالية وكذلك على تطبيق "تيك توك" التابع لشركة "بايت دانس" الصينية ومنع تداوله على المستويات الرسمية والشخصية فى الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية بحجة حماية الأمن القومي خشية "التهديد السيبراني" الصيني، كلها شهادات أمريكية وغربية على ما نجحت الصين فى تحقيقه من تقدم فى مجال التكنولوجيا المتقدمة، وفى السنوات الأخيرة دخلت الصين مجال التحدي مع الولايات المتحدة فى تصنيع "الشرائح الإليكترونية" خاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن (أكتوبر 2022) بفرض ضوابط وقيود واسعة على الصادرات التكنولوجية بهدف منع الصين من الحصول على أشباه الموصلات المتطورة . فقد جاء الرد الصيني هو التحدي الذي اتخذه المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي (أكتوبر 2022) لمواجهة الحرب التكنولوجية. ظهر ذلك فى خطاب الرئيس الصيني "شي جينج بينج" أمام هذا المؤتمر حيث رصد المراقبون أن كلمة "التكنولوجيا" وردت فى هذا الخطاب 40 مرة، ووعد بتحقيق الاكتفاء الذاتي فى مجال التكنولوجيا المتطورة الذي دشنته الصين تحت اسم "صنع فى الصين عام 2025" عام 2015 من أجل إعادة تركيز صناعتها على التنافس فى مجال التحول إلى التشغيل الآلي والشرائح الإليكترونية الدقيقة.

لقد أدى التنافس والصراع مع الولايات المتحدة إلى تنامى "النزعة القومية التكنولوجية" فى الصين ولأول مرة يضيف الحزب الشيوعي الصيني الحاكم فئة جديدة إلى قائمة أولوياته وهي "تحقيق قوة كبيرة مدعومة من التكنولوجيا والعلم والتعليم" وعندما تنجح الصين فى ذلك ستكون قد تكاملت عناصر قوتها وعندها ستكون قادرة بجدارة على ممارسة التمرد ضد السياسة الأمريكية.

تحديات "مبدأ مونرو" الصيني

تعرف الصين جيداً أنها، وهي تطمح لأن تصبح قوة عالمية شريكة فى قيادة النظام العالمي، أنها مطالبة أولاً بأن تفرض نفسها كـ "قوة إقليمية مهيمنة" فى الإقليم الذي هي جزء منه، أي إقليم شرق وجنوب آسيا أو ما يعرف فى الاستراتيجية العالمية بإقليم المحيطين الهادي والهندي. أول هذه الشروط أن تكون القوة الأقوى فى الإقليم، وثانيها أن تكون قادرة على منع وجود أو ظهور أي قوة أخرى، من داخل الإقليم أو من خارجه، يكون فى مقدورها منافستها على هذه الزعامة.

الولايات المتحدة فعلت ذلك قبل أن تصبح قوة عالمية، فعلته عندما أكملت وحدتها وحققت استقرارها الداخلي وتمكنت من امتلاك كل أنواع القوة اللازمة فقررت إبعاد كل القوى الاستعمارية الأوروبية من القارة الأمريكية، وأصدرت مبدأ سياسياً حمل اسم وزير خارجيتها "مونرو" وأصبح "مبدأ مونرو" مقرراً بأن الولايات المتحدة لن تسمح بوجود أي قوة من خارج القارة الأمريكية تتدخل فى شئونها، وأنها هي وحدها القوة الإقليمية المهيمنة على هذا الإقليم الممتد إلى كل أمريكا الوسطى والجنوبية. وتطورت السياسة الأمريكية بعد ذلك طردياً مع صعود القوة الأمريكية فمن شريك فى قيادة متعددة للنظام الدولى قبل الحرب العالمية الثانية فى سنوات عصبة الأمم إلى قوة عالمية مسيطرة فى نظام ثنائى القطبية تم اقتسام مناطق النفوذ فيه مع الاتحاد السوفيتي، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي تحولت الولايات المتحدة، أو بالأحرى سعت إلى فرض نفسها كقوة عالمية أحادية مسيطرة على النظام العالمي، وكان هذا كله يتضمن حقيقة مهمة هي أن الولايات المتحدة تسعى إلى أن تكون قوة إقليمية فى كل نظام إقليمي على مستوى العالم إما قوة مهيمنة مسيطرة وإما قوة شريكة فى التنافس على النظام العالمي، ومن أبرز هذه النظم الإقليمية كان النظام الإقليمي الأوروبي (الغربي) بعد الحرب العالمية الثانية والنظام الإقليمي لجنوب شرق آسيا، حيث تتواجد القوة الأمريكية فى هذا الإقليم وعلى مدى عقود مضت كقوة مهيمنة من خلال أساطيلها وقواعدها العسكرية فى الإقليم ومن خلال تحالفاتها العسكرية وشراكاتها الاستراتيجية مع أبرز الدول فى هذا الإقليم خاصة اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا ، دون تجاهل للصديق الهندي الذي ظلت واشنطن تداعبه من أجل تعظيم التنافس بينه وبين الصين كوسيلة مهمة لاحتواء الصين، وتوظيف "الصراع الهندي – الصيني" لغرض احتواء القوة الصينية الصاعدة ومنع تحول الصين إلى قوة إقليمية مهيمنة على إقليم المحيطين الهادي والهندي.

الصين مدركة لكل ذلك، وتعرف أنها لكى تصبح "قوة عالمية" قادرة على تغيير النظام العالمي الحالي أحادي القطبية الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة إلى نظام بديل "متعدد الأقطاب" و"أكثر ديمقراطية وعدالة" لابد أن تنجح أولاً فى أن تفرض نفسها كقوة إقليمية مهيمنة على إقليم المحيطين الهادي والهندي (شرق وجنوب أسيا)، وثانياً أن تحد من النفوذ الأمريكي فى الإقليم كخطوة أولى نحو طموحها فى إنهاء هذا النفوذ.

بوضوح شديد تدرك الصين أنها مطالبة بأن تكرر التجربة الأمريكية كقوة مهيمنة إقليمية فى القارة الأمريكية، أي أن تكون قادرة على تخليق "مبدأ مونرو الصيني". وأنها لكى تحقق ذلك عليها أن تمتلك القوة اللازمة والمتفوقة عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً وعلمياً، وأن تتبنى سياسات وتلتزم بمبادئ فى إدارة علاقاتها الإقليمية أولاً والدولية ثانياً، أشبه بمبدأ مونرو الأمريكي فى شرق وجنوب أسيا، وأن تدخل فى مناوشات مع الولايات المتحدة ضمن هدف إبعاد النفوذ الأمريكي وتفريغ الإقليم من أي قوة منافسة لمسعى فرض الصين كمهيمن إقليمي، وفى مقدمتها القوة الأمريكية، وأن تفكك التحالفات الأمريكية فى ذلك الإقليم، وأن توسع هي من تحالفاتها الإقليمية.

معضلة الصين الأساسية الآن هي أن الولايات المتحدة تخطط هي الأخرى لمنع تحول الصين إلى قوة إقليمية مهيمنة فى إقليم شرق وجنوب آسيا، وتقوم بكل ما يلزم القيام به لتحقيق ذلك، بزيادة وتكثيف وجودها العسكري فى الإقليم، والسعي إلى "عسكرته" أمام الصين أي جعله مفعما بالقدرات والأنشطة العسكرية المكثفة المناهضة للصين، وبتوسيع وتمتين تحالفاتها الإقليمية فى ذات الإقليم، وربط هذه التحالفات بالحلف الأمريكي الأساسي أي "حلف شمال الأطلسي" بحيث أضحى هذا الحلف بمثابة "شبكة أحلاف إقليمية يديرها ويقودها حلف شمال الأطلسي . وقد تكشفت هذه الحقيقة من خلال ما أعلنه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "ينس ستولتنبرج" خلال اجتماعه بوزراء خارجية دول الحلف فى بروكسل (15/2/2023) من تبنى مفهوم جديد للتخطيط العسكري للحلف يأخذ فى الاعتبار "التهديدات الصينية".

وقد أكدت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة فى أكتوبر الماضي محورية التواجد العسكري الأمريكي المكثف فى إقليم المحيطين الهندي والهادي، إلى جانب محورية التصدي للصين باعتبارها القوة المهيأة لمناطحة النفوذ الأمريكي إقليمياً وعالمياً. وتوسعت الولايات المتحدة فى فرض هذا المفهوم بإدخال الدول الصناعية السبع (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا واليابان وألمانيا وإيطاليا) شريكاً فى سياسة احتواء الصين فى عمق إقليم جنوب شرق آسيا الذي هو عنوان الطموح الصيني لتنفيذ "مبدأ مونرو" بمفاهيمه الصينية.

ففى مؤتمرها الأخير الذي عقدته فى مدينة هيروشيما اليابانية أصدرت قمة الدول الصناعية السبع التي أضحت عنواناً لقيادة أمريكية للنظام العالمي بيانا عقب قمتها فى هيروشيما التي استمرت ثلاثة أيام (19-21/5/2023) تضمن مبادرة أعطوها اسم "برنامج التنسيق بشأن الإكراه الاقتصادي" لمواجهة الصين، التي وصفت بأنها تمارس "الإكراه الاقتصادي" وتعهدوا "باتخاذ خطوات لضمان فشل محاولة أي طرف تحويل التبعية الاقتصادية إلى سلاح ومواجهة العواقب" معتبرين أن الصين "تمثل تهديدا للأمن الاقتصادي". كما حرص الرئيس الأمريكي جو بايدن على تحذير الصين ، ضمن هذه القمة، من القيام بأي عمل عسكري ضد تايوان، وقال بايدن أنه "يجب ألا يكون هناك تغيير أحادى فى الوضع الحالي بمضيق تايوان" موضحا أنه "هناك تفاهم واضح بين معظم حلفائنا، بأنه فى حال تحركت الصين، بصورة أحادية، فسوف يكون هناك رد على ذلك".

الصين، من جانبها، كانت واعية بالمغزى والمعاني الكامنة وراء هذا كله، خاصة ما ورد فى بيان قمة الدول السبع من اتهام الصين بـ "عسكرة بحر الصين الجنوبي"، وندد متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية فى بيان بـ "إصرار مجموعة السبع على التلاعب فى قضايا على صلة بالصين، وبتشويه سمعة الصين ومهاجمتها" مشيرا إلى أن بكين "تدين بشدة هذا الأمر وتعرب عن استيائها الشديد وعن معارضتها الحازمة، وقد قدمت احتجاجا رسميا لدى اليابان - البلد المضيف للقمة، ولدى الأطراف المعنيين الآخرين".

الصين ترفض الممارسات الأمريكية، التي تقول بوضوح شديد "لا للمساعي الصينية للتحول إلى قوة إقليمية مهيمنة فى شرق وجنوب آسيا" فكيف سيكون فى مقدور الصين امتلاك "مبدأ مونرو صيني" يجبر الأمريكيين وحلفاءهم على الاستسلام له والقبول به. هذا هو التحدي الحقيقي لتصبح الصين قوة عالمية.

الصين من التمرد إلى التصدي للنفوذ الأمريكي

قطعاً ليست هي الصدفة وحدها التي أدت إلى حدوث توافق فى مضامين أهم وثيقتين أمنيتين أمريكية وصينية صدرتا بشكل متزامن، وثيقة "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي" الصادرة عن البيت الأبيض الأمريكي فى أكتوبر الماضي ووثيقة "التقرير النهائي" الصادر عن أعمال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني "فى ذات الوقت تقريباً" حيث اهتمت الوثيقتان، بشكل مثير، بضرورة إنشاء ودعم المنظمات المهتمة بالأمن الإقليمي. الجديد فى الأمر ليس اهتمام الأمريكيين بتكثيف وتوسيع وجودهم العسكري القومي فى التنظيمات الإقليمية ونظم الأمن الإقليمية المختلفة فى أنحاء العالم، ومن بينها بالطبع إقليم آسيا المحيط الهادي، لكن الجديد هو ذلك الظهور الصيني القوى فى الشئون الأمنية – العسكرية بالإقليم على نحو أضحى يثير مخاوف الأمريكيين وحلفاءهم فى هذا الإقليم، لأن الأميركيين، وهم يصرون على فرض أنفسهم قوة عالمية مسيطرة أحادية، كانوا حريصين على فرض أنفسهم أيضاً قوة إقليمية مهيمنة أو على الأقل، قوة مناوئة فى كل نظام أمن إقليمي وخاصة إقليم آسيا المحيط الهادي أو فى إطار أوسع إقليم المحيطين الهندي والهادي. بما يعنيه ذلك من منع أي قوة إقليمية على الظهور كقوة قادرة على منافسة الوجود والنفوذ الأمريكي.

المراقبون الذين أثارتهم النصوص، المتضمنة فى التقرير النهائي لأعمال المؤتمر العشرين الأخير للحزب الشيوعي الصيني، ذات العلاقة بالقضايا الأمنية والعسكرية التي وردت بشكل مكثف وغير مسبوق، حيث تكررت كلمة "الأمن" 91 مرة، وكلمة "عسكري" 21 مرة، وكلمة "النضال" 22 مرة هؤلاء صدموا بمضامين الوثيقة البريطانية التي تم الكشف عنها مؤخراً، وعلى الأخص معرفة أن "التمرد الصيني" على النفوذ الأمريكي، وحرص الصين على فرض نفسها قوة مناوئة للنفوذ والوجود العسكري الأمريكي فى إقليم آسيا- المحيط الهادي لم يكن وليد الوقت الحاضر ولكنه يعود إلى 22 عاما مضت وبالتحديد فى الأول من إبريل 2001 فيما عرف بـ "حادث جزيرة هانيان" التي صعدت المواجهة بين واشنطن وبكين إلى مستوى "الأزمة".

وقعت هذه الحادثة عندما تصدت طائرتان مقاتلتان صينيتان لطائرة استطلاع استخباراتية تابعة للبحرية الأمريكية كانت تحلق فى المنطقة الاقتصادية الصينية فى بحر الصين الجنوبي، حيث قتل طيار صيني واحتجزت الصين طاقم الطائرة الأمريكية وحطامها، ورفضت الصين وقتها وساطة رئيس الوزراء البريطاني تونى بلير بطلب من الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش للإفراج عن الطاقم دون اعتذار أمريكي علني ومسبق. وبالفعل حصلت الصين على ما أرادت حيث اعترف بوش، وفقا لتلك الوثيقة أن "الولايات المتحدة قالت مرتين أنها آسفة للغاية".

كان هذا منذ أكثر من عشرين عاما، حيث كانت بوادر التمرد الصيني فيها متصاعدة، فى مواجهة الهيمنة والسيطرة الإقليمية الأمريكية على إقليم آسيا- الهادي الذي تعتبره الصين مجالها الإقليمي، الآن نستطيع القول أن الصين تجاوزت مرحلة إعلان التمرد على القوة الأمريكية إلى مرحلة أرقى هي التصدي القوى لها، ضمن مسار يقول أن الصين تسعى إلى إخراج الولايات المتحدة من إقليم المحيطين الهادي والهندي، وأنها حريصة على أن تكون هي "القوة الإقليمية المهيمنة" أو القوة الفاعلة فى نظام أمن إقليمي ضمن أطراف أخرى ليس من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد أطراف تنتمى إلى الإقليم.

مرحلة التصدى الصيني للنفوذ الأمريكي أخذت أشكالا متعددة، منها محاولة اختراق حلفاء واشنطن وتنظيماتها الأمنية الإقليمية فى إقليم آسيا- الهادي والسباق مع الولايات المتحدة فى التأسيس لقواعد عسكرية بالمنطقة، والتحرش بالنفوذ الأمريكي عسكريا، ومهاجمة أي تطاول أمريكي على الصين فى المحافل الإقليمية- الدولية.

الأشهر الأخيرة الماضية كانت مفعمة بهذه الممارسات الصينية، فما حدث قبل عشرين عاما مع طائرات أمريكية اعتبرتها الصين تجاوزت "الحدود المسموحة" تكرر فى الأسبوع الماضي وبالتحديد يوم الثلاثاء الفائت (30/5/2023). فحسب بيان أمريكي صدر بهذا الخصوص قامت طائرة صينية بتنفيذ ما اعتبرته واشنطن "مناورة عدوانية" قرب طائرة عسكرية أمريكية فوق بحر الصين الجنوبى فى المجال الجوى الدولى مما جعل الطائرة الأمريكية تهتز فى أثناء التحليق بسبب الاضطرابات الجوية الناتجة عن تخلخل الهواء، فى ذات الوقت حذر وزير الدفاع الصيني "لى شانغفو" السبت (3/6/2023) من إقامة تحالفات عسكرية "شبيهة بحلف شمال الأطلسي فى منطقة آسيا والمحيط الهادي".

هذا التحذير جاء على لسان الوزير الصيني فى كلمته أمام القمة الدفاعية الآسيوية المنعقدة فى سنغافورة وتحمل اسم "حوار شانغرى- لا"، واعتبر الوزير الصيني أن سياسة تأسيس تحالفات عسكرية أمريكية فى منطقة المحيطين الهادي والهندي "وسيلة لاختطاف دول المنطقة وتضخيم الصراعات والمواجهات الأمر الذي لن يؤدى سوى إلى إغراق منطقة آسيا والمحيط الهادي فى زوبعة من الصراعات والنزاعات هذا التحذير ربما يكون قد جاء ردا على المسعى الأمريكي لإعداد خطط مشتركة مع حليفتيها اليابان وكوريا الجنوبية لإطلاق نظام سوف يسمح بتبادل لحظي للمعلومات فى الوقت الحقيقي بشأن الصواريخ الكورية الشمالية. هذا البيان صدر عن وزراء دفاع الدول الثلاث على هامش قمة الأمن الآسيوية السبت الماضي "شانغرى- لا" التي عقدت فى سنغافورة التي شارك فيها وزير الدفاع الصيني، والتي رفض خلالها وزير الدفاع الصيني لقاء وزير الدفاع الأمريكي خلال تلك القمة الأمنية الآسيوية.

لم تكتف الصين بالتصدي للنفوذ الأمريكي فى منطقة آسيا الهادي لكنها سعت وباهتمام إلى تأسيس نفوذ عسكري – أمنى صيني فى هذه المنطقة، حيث وقعت فى العام الماضي اتفاقا أمنيا مع دولة "جزر سليمان" الواقعة فى المحيط الهادي بالقرب من دولة "بابوا غينيا الجديدة" محط اهتمام النفوذ الأمريكي. هذه الخطوة الصينية أثارت القلق فى كل أنحاء المحيط الهادي وخاصة الولايات المتحدة التي اتجهت هذا العام إلى دولة بابوا غينيا الجديدة ووقعت اتفاقا أمنيا معها عبر وزير خارجيتها انتونى بلينكن الذي اعتبر هذا الاتفاق مع بابوا غينيا الجديدة "محاولة لتشكيل المستقبل" الملفت فى سياسة التصدي الصينية للنفوذ الأمريكي أنها تجاوزت الحدود الإقليمية ووصلت إلى أرض الولايات المتحدة الأمريكية. ففي فبراير الماضي حركت الصين منطادا حلق فوق عدد من الولايات الأمريكية اعتبرته واشنطن "منطادا للتجسس" وأسقطته، ومنذ أقل من أسبوعين اتهمت الولايات المتحدة الصين برعاية قراصنة يستهدفون المنشآت الحيوية أمريكيا وعالميا حيث كشفت وكالات استخبارات غربية وشركة "مايكرو سوفت" الأمريكية أن قراصنة صينيين ترعاهم الدولة يتجسسون على البنية التحتية للولايات المتحدة وينشطون لوضع الأساس التقني لتعطيل محتمل للاتصالات الحساسة بين الولايات المتحدة وآسيا خلال الأزمات المستقبلية.

مثل هذه المناوشات والصدامات تقول إن الصين لم تعد تكتفى بمناهضة النفوذ الأمريكي فى إقليمها، ولكنها تسعى إلى نقل المواجهة مع واشنطن خارج الإقليم عبر أدوات وسياسات صينية تهدف إلى إشهار الصين قوة عالمية شريكة فى قيادة النظام العالمي.

المصدر:

جريدة الأهرام: 23/5/2023، 30/5/2023، 6/6/2023

حلمي النمنم: أنت مصري

كان تقسيم المصريين والتمييز شبه العنصري بينهم، بعد 11 فبراير ٢٠١١، كسرًا كاملًا لأهم شعار ارتفع فى الميادين والشوارع، وهو: «ارفع راسك فوق.. إنت مصري»، شعار غير إنشائي ولا تم اصطناعه وتركيبه أو نحته وفق الأحداث، بل خرج من الوجدان الجمعي، تُنطق كلمة «فوق» بمد الواو، وشموخ وعلو فى النطق، يردده المواطنون جماعيًّا، أي ليس أداء فرديًّا، كان ذلك يعنى اعتزازًا من حشود المواطنين بمصريتهم، ربما كان حنينًا واشتياقًا إليها أيضًا، كان النداء رسالة إلى الجميع فى الداخل والخارج بأنن مصريتنا هي الأساس والجامع الأول والأعظم لنا جميعًا، وأى انتماء واعتزاز آخر يجئ تاليًا لها، نابعًا منها ومرتبطًا بها، لا يهز منها ولا يُضعفها.

صورة من ثورة 25 يناير

لعقود طويلة كانت هناك محاولات لتغييب الروح المصرية لصالح العروبة مرةً ولصالح شعارات وخطط الإسلام السياسي مرة أخرى، ثم مع دعاة العولمة مرةً ثالثة. كان العروبييون يتصورون دمج المصرية فى العروبة وتصير جزءًا منها أو مكونًا من مكوناتها، دون أى خصوصية أو تميز، كان بعضهم بقصر نظر شديد وضيق أفق يتعامل مع الروح المصرية بتأفف صامت وينظرون إليها شزرًا.

أما دعاة الإسلام السياسي فكانوا- مازالوا- يمقتون الروح المصرية ويعادونها. عمومًا، هم يعادون المشاعر والأفكار الوطنية، ويكرهون كل نماذجها ورموزها، خاصةً فى بلادنا، راجع موقفهم من سعد زغلول وقادة ثورة ١٩، ثم موقفهم من جمال عبدالناصر وزملائه، وقبل هؤلاء جميعًا رأيهم فى محمد على، الوطنية المصرية عدوهم اللدود وهدفهم الأول، ومع القرن الجديد جاءت العولمة بكل توحشها، العولمة تتردد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنها بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي صارت موضة عالمية، ونما اتجاه لإكراه الجميع على تبنى أفكارها وممارساتها، يرفض أفراد هذا التيار المدرسة والأفكار الوطنية، يعدونها رجعية، متخلفة، ترمز إلى الشمولية والاستبداد، وتزَيّد بعضهم فى إعلان حرب على كل ما هو وطنى، يتغنون فقط بالأمة الأمريكية ويتقاتلون لنَيْل جنسيتها، ازداد ذلك بعد ضرب العراق واحتلاله سنة ٢٠٠٣.

بعيدًا عن الجانب الأيديولوجي والفكري، وربما بسبب تلك الأفكار مجتمعة، فإن سنوات ما قبل ٢٠١١ شهدت عمليات سخرية سمجة وبذيئة من كل ما يكشف عن اعتزاز بالروح المصرية، عدد من السخافات الدرامية تسخر من شعار مصطفى كامل «لو لم أكن مصريًّا لوددت أن أكون مصريًّا»، وتتهكم على مصطفى كامل نفسه. سخافات أخرى للتهكم على قصيدة حافظ إبراهيم التي تغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم: «وقف الخلق»، وكلمات أغنية الفنانة شادية «يا حبيبتي يا مصر»، كان هناك تَبَارٍ فى السخرية والتنديد بالمشاعر الوطنية، وكان ذلك يُبَثّ أحيانًا، حتى على التلفزيون الرسمي!!.

«ارفع راسك فوق .. إنت مصري» نداء وصرخة، تتصل بشعار الحركة الوطنية زمن مصطفى كامل ثم مع ثورة سنة ١٩١٩، الشعار يتحدث عن المصري بالمطلق، دون تمييز أو تصنيف، مصرى وكفى، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي والاختيار السياسي، لكن هذه الصرخة تم انتهاكها بفظاظة شديدة، أولًا من أولئك الذين قسموا المواطنين إلى «أنصاف آلهة» وهم الثوار، لا يخطئون ولا يراجعهم أحد، ناهيك عن أن يتم الاختلاف معهم، ولن أقول مساءلتهم، ثم «المذلون المهانون»، بتعبير ديستويفسكى، وهم الفلول، لا كرامة لهم ولا حق لهم فى أى شىء، وأخيرًا مَن هم أصحاب المنزلة بين منزلتين، «حزب الكنبة»، وهؤلاء موضع تهكم وسخرية وازدراء، بتعبير أحد أنصاف الآلهة، كانوا على مدى ثلاثين عامًا «عبيد مبارك».

على أرض الواقع، وجدنا المشهد البديع للمصريين الأقباط وهم يحرسون المواطنين المسلمين وقت صلاة الجمعة فى ميدان التحرير، كان المشهد وغيره موضع إعجاب وتقدير العالم كله، مع هذه المشاهد تجاوزنا حالة الاحتدام الطائفي التي التهبت فى بداية يناير ٢٠١١، مع تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، لكن بعد رحيل مبارك، راحت توجه سهام الاحتراب مجددًا فى الشأن الطائفي، عرفنا فى مارس ٢٠١١ أحداث قرية صول بمركز أطفيح بالجيزة، والتي أدت إلى الاعتداء على كنيسة، كما وقع حادث كنيسة إمبابة، حيث انفجرت قنبلة أثناء حفل زفاف داخل الكنيسة، وراحت ضحيتها طفلة صغيرة، عمرها 11 عامًا، وتكرر الاحتدام فى إمبابة بصورة باتت تهدد المجتمع كله، وكأننا أمام بروفة نارية لحرب أهلية طائفية.

خارج القاهرة الكبرى، وقعت عدة أحداث مشابهة، فى أسوان وفى عدة مناطق أخرى، حتى وصلنا إلى أحداث ماسبيرو، التي عُرفت إعلاميًّا باسم «مذبحة ماسبيرو». للوهلة الأولى، كان يبدو أن المقصود من هذه العمليات، فى البداية، إحراج حكومة د. عصام شرف، والدفع نحو استقالتها أو إقالتها، وإحراج المجلس العسكري، غير أن تأمل الوقائع يكشف أن الموضوع كان أكبر من ذلك بكثير، كانت هناك رغبة فى تفجير الإجماع الوطني الذى تكون حتى لحظة 11 فبراير، الحوادث الطائفية راحت تقع بوتيرة متسارعة وترتفع حدتها بما يتجاوز بعض ما كان يقع زمن مبارك، وكان الاحتدام الطائفي يتم على أرضية وشعارات دينية وطائفية صريحة وليس كما كان من قبل على خلفية مخاوف ومطالب سياسية، أطلت بعض مجموعات الإسلام السياسي بأهدافها ومشروعها الطائفي دون مواربة.

الأهم أن هذه الأحداث كلها كانت تشير إلى أن هناك ميليشيات مسلحة تتحرك فى أنحاء البلاد، وأن ما جرى يوم ٢٨ يناير ٢٠١١ كان بداية صاخبة فقط، ومع ما جرى فى ليبيا الشقيقة وقتها راحت الأسلحة تتدفق علينا، خفيفة وثقيلة، وتُخزن كلها، ثم تذهب لتنفيذ عمليات الإحراق والتدمير. أسلحة من الخارج مع مرتزقة كذلك تم استجلابهم بشعارات أممية. وكانت هناك ميليشيا من نوع آخر، لا يحمل أفرادها قنابل ولا مدافع، وهؤلاء هم الذين اندفعوا يوم ٨ مارس ٢٠١١، يوم عيد المرأة العالمي، فى عملية تحرش جماعي بالفتيات والسيدات فى ميدان التحرير ومنطقة وسط البلد كلها، بدا أننا بإزاء رسالة موجهة قصدًا إلى العالم كله فى هذا اليوم، أننا هكذا نتعامل مع المرأة ونراها، ثم توسعت موجة التحرش وراحت تتحول إلى سلوك اعتيادي يوميًّا وليس فى بعض المناسبات أو المشاهد المزدحمة فقط، الإعلام الجديد كان يتابع ذلك وينقله إلى العالم.

كانت المرأة المصرية قد قدمت موقفًا بديعًا فى أحداث يناير، نزلت بكثافة إلى الشوارع والميادين، بينهن مَن ظللن بالميدان أيامًا وليالي متصلة، فى أمان ومساواة تامة فى الموقف والمسؤولية مع زملائهن، لاحظ كثيرون أن مشاهد التحرش المقززة تراجعت كثيرًا، بما يكشف حالة نضج اجتماعي وأخلاقي، بدا أن التاريخ يقودنا إلى مرحلة جديدة فى حياتنا، صارت المرأة رقمًا حاسمًا فى اللحظة الثورية، هكذا كانت فى مار س سنة ١٩ مع اشتعال أحداث الثورة زمن سعد زغلول. بعد ثورة ١٩ تنكر الزعماء للمرأة، ورفضوا منحها حق التصويت فى الانتخابات، ورفض سعد زغلول الاستماع وقتها إلى مطلب الصحفية «منيرة ثابت» بالحصول على هذا الحق، كان مطلب منيرة ثابت قائمًا على أن الدستور قرر حق التصويت لجميع المصريين، لكن شراح الدستور ذهبوا إلى أن كلمة «المصريين» تنطبق على الرجال فقط، وانتهى رأى الزعماء إلى أنه يكفى المرأة الدور الاجتماعى والخدمي، وهكذا تأسس الاتحاد النسائي المصري، حق التصويت والترشح للمرأة تحسن بعد ثورة يوليو ٥٢.

بعد ثورة يناير جرت عملية انتهاك إنساني للمرأة، بدا وكأن هناك شريرًا يحرك جحافل المتحرشين فى الشوارع والميادين، وكان ذلك تراجعًا وارتدادًا حادًّا، على عكس المتوقع، وكأن المطلوب عمليًّا أن تختفى المرأة من المشهد تمامًا، سوف تظل عمليات وعصابات التحرش فى ازدياد مع المزيد من الانحطاط الإنساني والأخلاقي، حتى بات الأمر يشكل سُبّة وطنية لنا، وصرنا موضع تنديد دولي؛ أخذت الظاهرة فى التراجع بعد سنة ٢٠١٤ مع تدخل تشريعي وتوفر إرادة سياسية قوية على رد اعتبار المرأة. كان هناك مَن يصر على كسر السبيكة الإنسانية والوطنية المصرية، التي صنعت رغم كل شيء لحظة حاسمة فى تاريخنا، نعم هي عصية على الكسر، لكن كان هناك مَن حاول وسعى إلى ذلك الكسر والهدم الإنساني والمجتمعي.

الحديث ممتد.

تحرير وإخراج: مركز الفارابي

المصدر: المصري اليوم

الأحد 02-07-2023 00:54

اللواء الدكتور شوقي صلاح يكتب: رؤية أمنية قانونية بشأن أحداث الشغب في فرنسا “يونيو 2023” (الحلقة الأولى)

إطلالة على الأحداث:

* استخدمت الشرطة الفرنسية يوم الثلاثاء الموافق 6/27/ 2023 النيران القاتلة أثناء توقيف شاب يبلغ من العمر 17 عاماً لارتكابه مخالفة مرورية، ثم لم يمتثل لأوامر الشرطي بعد إرغامه على إيقاف سيارته، وقد أصدر الشرطي له الأمر بإيقاف موتور السيارة والنزول منها، وذلك تحت تهديد السلاح، إلا أن الشاب انطلق بسيارته، فأطلق عليه الشرطي طلقة واحدة قاتلة أصابته في الصدر، ورغم هذا استمر المصاب في الهرب بالسيارة رغم نزف جُرحه، إلى أن اصطدمت سيارته بأحد الأعمدة، ومات على أثر النزيف الحاد.

- هذا وبعد تداول الجمهور لأخبار الواقعة المشار إليها، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، مدعمة بفيديو يوضح ظروف الحادث تفصيلا.. والإشارة إلى أن الضحية شاب صغير السن من أصول جزائرية.. فقد اندلعت بسبب هذا الحادث أعمال شغب واسعة النطاق بدأت في مدينة نانتير -موقع الأحداث- ثم انتقلت إلى العديد من المدن الفرنسية: ليل؛ تولوز؛ كما انتقلت لضواحي باريس؛ وعلى أثر أحداث العنف واسعة النطاق فقد رأس ماكرون يوم الجمعة الموافق 30 يونيو 2023 خلية أزمة للتعامل مع هذه الأحداث، واكتفت خلية الأزمة بنشر ما يزيد على 40 ألفاً من قوات الشرطة في مختلف أنحاء فرنسا، ولم تتخذ قراراً بإعلان حالة الطوارئ أو استدعاء قوات الجيش، رغم أن أعمال الشغب المشار إليها نتج عنها إحراق آلاف السيارات والأبنية، وإصابة المئات من عناصر الشرطة الفرنسية، وإصابة ما يقرب من ألف عنصر من عناصر الشغب، ونهبت وحرقت خلال تلك الأحداث مئات المتاجر.. .

مدى قانونية استعمال الشرطة للنيران القاتلة خلال المواجهة

- لقد أصبح لدى عناصر الشرطة الفرنسية أسباباً غير الدفاع الشرعي لاستخدام السلاح، بعد تعديل قانون الأمن الداخلي في فبراير 2017، فقد ذهبت المادة 435 من هذا القانون إلى أنه "يجوز لأفراد الشرطة الوطنية ولجنود الدرك الوطني، بالإضافة إلى الحالات المذكورة في المادة L211-9، أثناء ممارستهم لمهامهم بزيهم الرسمي أو الشارة الخارجية والظاهرة لصفاتهم، استخدام أسلحتهم في حالات الضرورة القصوى وبطريقة متناسبة تمامًا في الحالات ووفقاً للضوابط الآتية:

1... 2... 3- عندما لا يستطيعون إجبار الأشخاص الذين يسعون للهروب من احتجازهم أو التحقيق معهم، والذين من المحتمل أن يرتكبوا أثناء هروبهم اعتداءات على حياتهم أو السلامة الجسدية أو تلك الخاصة بالآخرين.

4- عندما لا يتمكنون من شل الحركة، بخلاف استخدام الأسلحة، للمركبات أو القوارب أو وسائل النقل الأخرى، حيث لا يطيع سائقيها أمر التوقف، ويصبح من المحتمل أن يرتكب ركابها أثناء هروبهم هجمات تهدد الحياة أو السلامة الجسدية للقوات أو لآخرين...".

* ووفقاً لأحكام النص المشار إليه من المادة 435 آنفة الذكر، فإن استخدام النيران القاتلة من قبل الشرطة يعد تجاوزاً لحقها في استخدام السلاح استخدماً مشروعاً، خاصة عندما يتعلق هذا الاستخدام باستعمال نيران قاتلة، حيث يجب أن يكون استخدام القوة المميتة في حالات الضرورة القصوى، وبشكل يتناسب مع الاعتداء وفقاً للموقف الأمني. هذا ووفقاً للفيديو الذي تم تداوله للحظة إطلاق الشرطة للنيران على الضحية الشاب "نائل" فإن انطلاقه بالسيارة لم يكن سوى محاولة يائسة للهروب، ولم تكن محاولته هذه تمثل خطراً يهدد حياة قوة الشرطة أو آخرين.. لذا فإن استخدام السلاح بحسب الأصل لا تدعمه حالة ضرورة، خاصة وأن المجني عليه لم يكن هو أو من معه بالسيارة مسلحين ويخشى جانبهم لهذا السبب.

* وجدير بالذكر أن ما يقابل أحكام المادة 435 من قانون الأمن الداخلي بفرنسا، وفقاً للقانون المصري؛ هي المادة (102) من القانون رقم 109 لسنة 1971 بشأن هيئة الشرطة، والتي تنص على أنه " لرجل الشرطة استعمال القوة بالقدر اللازم لأداء واجبه إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لأداء هذا الواجب. ويقتصر استعمال السلاح على الأحوال التالية:

1... 2... 3... ويراعى في جميع هذه الأحوال الثلاثة السابقة أن يكون إطلاق النار هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأغراض السابقة، ويبدأ رجل الشرطة بالإنذار بأنه سيطلق النار ثم يلجأ بعد ذلك إلى إطلاق النار.

  • ويحدد وزير الداخلية بقرار منه الإجراءات التي تتبع في جميع الحالات، وكيفية توجيه الإنذار وإطلاق النار".

استخدام المكلفين بإنفاذ القانون للقوة في ضوء بعض المواثيق الدولية

* نشير في هذا السياق إلى جانب من المواثيق الدولية المعنية باستخدام المكلفين بإنفاذ القانون للقوة أثناء تأدية واجبات وظائفهم، ولتكن البداية بعرض أهم ما انتهى إليه مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، الذي عقد بـ "هافانا" في الفترة مـن 27 أغسطس إلى 7 سبتمبر 1990، حيث اعتمد مجموعة من المبادئ الأساسية في شأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، وأوصى المؤتمر الأمين العام للأمم المتحدة باتخاذ الخطوات اللازمة لتوجيه نظر الحكومات وكافة هيئات الأمم المتحدة المعنية إلى هذا الأمر، وأن تتكفل بنشر هذه المبادئ؛ وقد جاء المبدأ الرابع للمؤتمر على النحو الآتي "على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين حال أدائهم لواجباتهم أن يستخدموا إلى أبعد حد ممكن وسائل غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام القوة والأسلحة النارية ".

- وليس لهم أن يستخدموا القوة والأسلحة النارية إلا حيث تكون الوسائل الأخرى غير فعالة، أو حيث لا يتوقع لها أن تحقق النتيجة المطلوبة".

- كما نصت المادة الثالثة من مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون -الصادرة عن الأمم المتحدة بقرارها رقم 34/169 في الأول من ديسمبر 1979- على أنه "لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجباتهم ".

* هذا، وقد حث مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة - بقراره رقم 25/38 الذي اعتمد في 28 مارس 2014- الدول على أن تتيح لموظفي إنفاذ القانون معدات الحماية والأسلحة الأقل فتكاً، مع مواصلة الجهود الدولية لتنظيم التدريب على استخدام هذه الأسلحة، ووضع برتوكولات في هذا الصدد، ودعت الحكومات إلى تسليح موظفي إنفاذ القانون بمجموعة واسعة قدر الإمكان من الوسائل المعطلة للحركة، غير القاتلة، مع مراقبة دقيقة لاستخدام الأسلحة، كما أوصى المُقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء -2014- بأن يعين مجلس حقوق الإنسان هيئة خبراء لوضع مبادئ توجيهية بشأن توفير الأسلحة الأقل فتكاً للمكلفين بإنفاذ القانون.

* هذا، ونظراً لأهمية موضوع ضوابط استخدام الشرطة للقوة خلال تنفيذهم لمهام وظائفهم.. لذا فسوف نستأنف بإذن الله نشر سلسلة من المقالات في هذا الشأن، لنستكمل تحليل أحداث شغب فرنسا (يونيو 2023) بجانب تقديم عرض تحليلي لأحداث أخرى مماثلة.

أستاذ القانون بكلية الشرطة

رئيس برنامج الدراسات الأمنية بمركز الفارابي للدراسات وخبير مكافحة الإرهاب

الأرشيف