رؤى ومقالات

د . مختار غباشى: الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية تدخل مفهوم حماية البيئة الخضراء لمصر

تشهد العلاقات المصرية الصينية تطورًا كبيرًا فى السنوات الأخيرة لا سيما فى المجال الاقتصادى والمشرعات السكنية والبنية التحتية. هذا وتعد الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية (CSCEC)، التى تقوم بتنفيذ مشروع "منطقة الأعمال المركزية" (CBD) في العاصمة االجديدة، تعد من أكبر الشركات التي تضخ حيوية جديدة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر.

إن تنفيذ الشركة الصينية بقيادة رئيس مجلس الإدارة "CHANG WEICAI" لمشروعات كبيرة في مصر، يسهم بشكل كبير في توطين "تكنولوجيا البناء الصينية" في مصر، خاصة أن الشركة استخدمت تقنيات حديثة بدأ يكون لها مردود على سوق الإنشاءات في مصر.

منطقة الأعمال المركزية (CBD)

تتكون منطقة (CBD) من 20 برجًا سكنيًا وتجاريًا بما في ذلك البرج الأيقوني "أطول برج في إفريقيا"، الذي أصبح أعلى من برج القاهرة ، حيث يتكون البرج من 78 طابق ليصل ارتفاعه إلى 385 مترًا. تقدر استثمارات هذا المشروع بنحو 3 مليارات دولار، ويتم تنفيذها بالتعاون مع وزارة الإسكان ممثلة فى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

تماشيًا مع سياسة الدولة المصرية للحفاظ على البيئة وإنشاء مجتمعات خضراء صديقة للبيئة فى المدن الجديدة، التى تعد العاصمة الادارية في صدارة هذه المجتمعات، قامت الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية CSCEC بتلبية دعوة مصر لحماية البيئة الخضراء والحفاظ على الطاقة وخفض الإنبعاثات الكربونية، كما أدخلت مفهوم حماية البيئة الخضراء بكافة مخططات وتصميمات المشروع وأعمال بنائه، بل وساهمت بقوة لمواجهة تغير المناخ العالمي. لهذا فقد اتخذت مجموعة من الاجراءات أثناء عملية التخطيط للمشروع من أجل تجسيد المفاهيم المعمارية الصديقة للبيئة وتمثل ذلك في اختيار موقع العاصمة الإدارية الجديدة. لقد ظهر ذلك بوضوح فى اتخاذها لمجموعة من الاجراءات التالية أثناء عملية التخطيط للمشروع:

ثمان اجراءات نوعية

سعيًا لتنفيذ الطموحات والتوجهات الاستراتيجية للدولة المصرية، حرصت الشركة على اتخاذ مجموعة من الإجراءات النوعية كان في صدارتها ما يلي:

  1. تجسيد مفاهيم "الخضراء والصديقة للبيئة" في اختيار موقع العاصمة الإدارية الجديدة. ففي البداية، كان هناك خياران لموقع العاصمة الإدارية الجديدة، أحدهما منطقة الواحات شمال القاهرة، والأخرى "المنطقة الصحراوية" شرق القاهرة. في النهاية، وقع الاختيار على المنطقة الصحراوية التي تشغل أقل قدر من الأراضي الزراعية وهكذا نحصل على أقل قدر من الضرر البيئي. وكان هذا في حد ذاته بمثابة تطوير وحسن استغلال الأراضي الغير قابلة للاستخدام. وهو ما مثَّل إحترامًا كبيرًا لـ "الطبيعة".
  2. في تخطيط مشروع CBD، يبلغ فرق الإرتفاع بين الجانب الغربي للموقع الحالي والطريق البلدي من الجانب الشمالي حوالي 10 أمتار، وفرق الإرتفاع بين الجانب الشرقي والطريق العام من الجانب الشمالي حوالي 5 أمتار لذلك تم زيادة مساحة الطابق السفلي وارتفاعه خلال عملية التصميم بشكل متعمد، وذلك باستخدام الحجم الذي يشغله الطابق السفلي للحفاظ على توازن الأعمال الترابية في الموقع وتقليل تلوث وسائل النقل.
  3. ربط أعمال التخضير "النهر الأخضر" في الجهة الجنوبية لموقع المشروع لتكوين منطقة خضراء كبيرة وممتدة نسبياً، مما عمل على توفير بيئة جميلة وسط البيئة الطبيعية للمنطقة التي تُعد قاسية نسبيًا، وكذلك مكَّن من تعديل المناخ المحلي وتقليل الرمال والتلوث والغبار فضلاً عن تحسين جودة الهواء.
  4. إنشاء عدد كبير من الأماكن الترفيهية العامة، إلى جانب المناظر الطبيعية المبهجة، مما يشجع الناس إلى الخروج من غرفهم والمشاركة في الأنشطة العامة، وتقليل استخدام المساحات الداخلية، وتقليل استهلاك الطاقة، وتوجيههم لنمط حياة أكثر صحة.
  5. في نظام النقل، تم إنشاء نظام نقل عام مناسب لتوجيه وتشجيع استخدام "وسائل النقل العام"، وتقليل استخدام وسائل النقل الخاصة، وتقليل استهلاك الطاقة.
  6. توفير أنظمة مشاة مناسبة، ومناظر طبيعية خضراء، لتشجيع المزيد من الأفراد على المشي لحل مشكلة حركة المرور في المنطقة، وتقليل الازدحام، وتقليل الانبعاثات الكربونية.
  7. باعتماد مفهوم "محطة مجمع المرافق المركزية CUC"، أصبحت "إمدادات طاقة التبريد والطوارئ" للموقع بأكمله مركزية، مما عمل على توحيد الإمداد والإدارة من خلال شبكة الأنابيب في المنطقة، ورفع من كفاءة الطاقة وقلل من استهلاك الطاقة ومساحة غرف المعدات، ويقلل من الفاقد في عملية النقل، كما يقلل من تكاليف التشغيل والصيانة.
  8. استخدام مصابيح LED الشمسية في إضاءة الطرق بالمنطقة، التي لا تعمل على تحسين معدل استخدام الطاقة الخضراء فحسب، بل تقلل أيضًا من تكاليف وطاقات التشغيل لمرة واحدة.

عشر ضوابط هندسية صديقة للبيئة

كذلك عمدت الشركة الصينية العامة بقيادة بقيادة رئيس مجلس الإدارة "CHANG WEICAI" إلى وضع مجموعة من الإجراءات أثناء عملية التصميم المعماري منها:

أولاً.. استخدام الخرسانة شديدة الصلابة لتقليل استهلاك الموارد، وتقليل كمية الخرسانة المستخدمة، وتوسيع مساحة البناء، وتقليل استهلاك الطاقة في إنتاج الأسمنت، وتحسين كفاءة الاستخدام.

ثانيًا.. استخدام الخرسانة ذاتية الضغط، وهو امر لا يتطلب أي اهتزاز، مما يقلل بشكل كبير من الوقت اللازم لصب الخرسانة، كما يقلل من إهدار القوالب والخلاطات، ويوفِّر من إستهلاك طاقة البناء بشكل كبير.

ثالثًا.. استخدام الخرسانة خفيفة الوزن الأمر الذي يوفر منحدرًا للعزل المائي من جهة، ويعمل أيضًا على تحسين أداء العزل الحراري للمبنى، ويقلل من استهلاك طاقة تبريد الهواء، ويقلل من استهلاك المواد، ويقلل من وزن الهيكل من جهة ثانية.

رابعًا.. استخدام القضبان الفولاذية عالية القوة، ما يقلِّل من عدد القضبان الفولاذية المستخدمة، وكذلك يعمل عمل على توفير استهلاك مواد المشروع والقوى العاملة والطاقة الإنتاجية.

خامسًا.. استخدم هيكل الأرضية الخرسانية طويلة المدى ألواحًا خرسانية أرضية مسبقة الجهد لتقليل سماكة الألواح الخرسانية الأرضية بالتالي توفير كمية الخرسانة المستخدمة، مما سمح بزيادة ارتفاع المبنى.

سادسًا.. باستخدام الواجهات الزجاجية الموحدة، أصبح إنتاج المصنع أكثر كفاءة وفعالية، كما أصبحت أعمال التركيب والتثبيت في الموقع أكثر سرعة وراحة، مما يقلل من استهلاك طاقة الإنتاج الإجمالية. كما أنه يُصنع بجودة عالية، ما يحسن الأداء العام لعزل الجدران الخارجية للحرارة ويقلل من استهلاك الطاقة الإجمالي للمبنى.

سابعًا.. استخدام مواد البناء محلية الصنع، قدر الإمكان لتقليل الواردات، وتقليل التلوث الناجم عن النقل البحري والجوي، على سبيل المثال، في الاختيار الهيكلي، تم استخدام الهياكل الخرسانية المسلحة، وفي التصميم الديكور، تم استخدام الحجارة المحلية قدر المستطاع.

ثامنًا.. فيما يتعلق بالتصميم المعماري، تم إنشاء المزيد من "المساحات الانتقالية" بين المباني والبيئة الخارجية لتشجيع الناس على الخروج بعد غروب الشمس وانخفاض درجة الحرارة بسرعة للإستفادة من الرياح الطبيعية وتقليل اعتماد الناس على المكيفات الهوائية.

تاسعًا.. في التصميم الخارجي للمبنى، تم استخدام عدد كبير من "مكونات التظليل" لتقليل أشعة الشمس القوية، والحد من الضوء المباشر الذي يدخل المبنى، مما يقلل من "حمل التبريد" للمبنى.

عاشرًا.. في التصميم الخارجي للمبنى، تم استخدام "الزجاج المزدوج/العازل" لتقليل انتقال العدوى، وتقوية العزل الحراري، وتقليل حمل التبريد.

هذا فضلا عن مجموعة من الاجراءات الفنية التقنية النوعية، التي أشار إليها كبير المهندسين YUAN HAD التي من أبرزها:

  • في نظام التبريد المركزي للـ CUC، تم إضافة "خزان حراري" عملاق لموازنة التبريد وتحسين كفاءة نظام التبريد.
  • عند اختيار المصابيح، تم استخدام المزيد من مصابيح LED الموفرة للطاقة، ويعمل نظام التحكم الذكي في الإضاءة على تقليل فقد الإضاءة إلى أقصى حد.
  • يؤدي "تدوير مياه الصرف الصحي والنفايات" في المبنى، بالإضافة إلى إعادة تحلية المياه، إلى زيادة الاستفادة من الموارد المائية إلى الحد الأقصى.
  • . تشغيل أنظمة الري بالتنقيط والري بالرش بانتظام لتقليل استهلاك مياه الري مع الحفاظ على المناظر الطبيعية الخصبة.
  • نظام إدارة المباني BMS. مراقبة تشغيل أنظمة تكييف الهواء، وضبط إمدادات قدرة التبريد بذكاء، وتقليل فقدان قدرة التبريد.
  • تم اختيار جميع الأدوات الصحية الموفرة للمياه، مما يقلل من هدر الموارد المائية.
  • يعمل تكوين معدات فرز وضغط النفايات الصلبة على تحسين معدل إعادة تدوير النفايات وتقليل تكاليف النقل.

كما يشير كبير المهندسين YUAN HAD إلى الإجراءات المتخذة أثناء عملية البناء، ليؤكد أن الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية قد حرصت على مراعاة ما يلي:

اولا.. استخدم قوالب الألمنيوم بدلاً من القوالب الخشبية التقليدية؛ بهدف تحسين نعومة السطح وتقليل طبقات الطلاء وتقليل استهلاك المواد. زيادة سرعة الدوران، مما يحسن بشكل كبير من تقدم البناء ويوفر استهلاك طاقة الإنتاج. إعادة التدوير عدة مرات لتقليل هدر القوالب. نسبة إعادة التدوير عالية ومتجددة مما يقلل من استهلاك المواد.

ثانيا.. تركيب نظام معالجة مياه الموقع؛ لتنقية مياه الصرف الصحي واستخدامها في إزالة الغبار وأعمال الري والتخضير وتنظيف المركبات وما إلى ذلك، مما ساهم في توفير الكثير من موارد المياه.

ثالثاً.. استخدم البلاط المختلط والجاهز لتقليل الغبار وعبء العمل في الموقع، وتحسين الكفاءة وتقليل استهلاك طاقة الإنتاج.

رابعا.. تخصيص القضبان الفولاذية لتقليل التداخل وخسارة المواد.

خامسا.. استخدم مصابيح الشوارع وسخانات المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية في منطقة المعيشة لتقليل استهلاك الطاقة.

مدير قسم الدعاية والإعلان LI BINGHONG : الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية مسيرة طويلة تمتد لاكثر من 40 عاما من الخبرة

من ناحية أخرى يذكر مدير قسم الدعاية والإعلان LI BINGHONG أن الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية(CSCEC)كانت قد تأسست رسميًا في عام 1982، وأنها هي واحدة من أكبر مجموعات الاستثمار والبناء في الصين مع أطول تطوير مهني، وأقرب عملية موجهة نحو السوق، وأعلى درجة من التكامل، وأكبر حجم في العالم.، حيث تمتلك 8 شركات مدرجة وأكثر من 100 شركة تابعة قابضة من المستوى الثاني. كما يؤكد أن الشركة قد احتلت المرتبة التاسعة من قائمة فورتشن غلوبال 500 في عام 2022، والمرتبة الثالثة من أقوى الشركات الصينية الـ500، كما إحتلت المرتبة الأولى من بين أفضل 250 "مقاولا هندسيًا في العالم"، بجانب استمرارها في الحفاظ على أعلى تصنيف إئتماني عالمي للصناعة، والتحسين المستمر في القدرة التنافسية للسوق وتأثير العلامة التجارية، وتوطيد مكانتها الرائدة في هذه الصناعة.

من ناحية أخرى يغطي أداء أعمال الشركة الصينية للهندسة المعمارية أكثر من 100 دولة ومنطقة في العالم، ويشمل تخطيط أعمالها الاستثمار والتطوير (التطوير العقاري، وتمويل البناء، والتشغيل القابض)، بجانب البناء الهندسي (بناء المساكن والبنية التحتية)، والمسح والتصميم، والأعمال الجديدة (البناء الأخضر، وتوفير الطاقة وحماية البيئة والتجارة الإلكترونية) وغيرها من القطاعات الأخرى. وفي الصين،

تعتبر الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية CSCEC، هي الشركة المنفذة لمشروع منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، ويقع مشروع منطقة الأعمال المركزية في قلب الصحراء بحوالي 50 كيلو مترا شرق العاصمة القاهرة ويتكون من 20 برجًا سكنيًا وتجاريًا بما في ذلك البرج الأيقوني "أطول برج في إفريقيا"، حيث أصبح أعلى من برج القاهرة ، الذي يتكون البرج من 78 طابقًا ليصل ارتفاعه إلى 385مترًا. تقدر استثمارات هذا المشروع نحو 3 مليارات دولار، تم تنفيذها بالتعاون بين وزارة الإسكان، ممثلة فى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وبين شركة cscec الصينية، ، وكذلك ّ البرج الإداري C01 في مشروع CBD بالعاصمة الإدارية الجديدة الذي يعتبر بدوره أطول مبنى إداري في المشروع، حيث يبلغ ارتفاعه 174 مترًا ويتكوّن من طابقين تحت الأرض و35 طابقًا فوق الأرض.

لقد تمّ دمج مفهوم "الريادة التكنولوجية والتقدّم العلمي" في جميع مراحل إنشاء المشروع، مع الاستخدام واسع النطاق للمواد والتقنيات الحديثة. ومشروع برجي سي زيرو 7 وسي زيرو 8، الذى تشرف عليه الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية CSCEC، ويعتبر الجسر الذي يربط بين البرجين، المعروف باسم "جسر الصداقة"، هو الجسر الأول من نوعه في مصر.

إن منطقة الأعمال المركزية تضم البرج دي زيرو وهو أطول برج سكني في أفريقيا بطول 169 مترا ويبلغ عدد أدواره 49 طابقًا. لقد تم تزيين المنطقة التي تتوسط الأبراج بتصميم مفتاح الحياة وسيتم وضع مسلة فرعوني حيث تضم المنطقة كذلك ثاني أكبر مركز للطاقة في مصر CUC، المعني بتوفير الكهرباء للأبراج في حالة الطوارئ ويمد الفنادق بالخدمات. أيضًا مشروع أبراج الداون تاون بمدينة العلمين الجديدة، والذي يعد مثالاً آخر للتعاون المصري الصيني في إطار مبادرة "الحزام والطريق".

يطبق هذا المشروع التكنولوجيا الذكية ويركز على استخدام الطاقة الصديقة للبيئة خاصة الطاقة الشمسية ويتضمن وحدات مركزية للمياه المثلجة التي ستستخدم فيما بعد في تغذية شبكات أجهزة التكييفات دون استهلاك عال للكهرباء.

الحقيقة أن هذه الشركة تعتبر نموذجًا فعالاً يحتذى به في تعميق العلاقات الودية بين مصر والصين في الأوقات الاستثنائية، حيث تحرص "الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية - CSCEC - مصر" على توفير بيئة معيشية هانئة، بالإضافة إلى تقديم كل سبل الراحة والسعادة لأكبر عدد ممكن من الناس.

تقرير التنمية المستدامة لشركة (CSCEC) للعام 2021 – 2022 في مصر

يشير تقرير التنمية المستدامة لشركة (CSCEC) إلى أن تصميم المشروع قد ركز على الاعتبارات الأمنية والبيئية باستخدام طاقة أقل وخامات محلية وتطوير إدارة التخلص من القمامة.

مرة أخرى يضخ مشروع إنشاء منطقة الأعمال المركزية (CBD) الذي تقوم بتنفيذه الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية (CSCEC)، دَفعَة حيوية جديدة في شرايين التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر. حيث إن تنفيذ الشركة الصينية لمشروعات كبيرة في مصر ، يساهم بشكل كبير في توطين تكنولوجيا البناء الصينية في مصر، خاصة أن الشركة استخدمت بكل تأكيد تقنيات حديثة بدأ يكون لها مردود على سوق الإنشاءات في مصر.

أمين عام مركز الفارابى للدراسات السياسية

تحرير وإخراج: مركز الفارابي للدراسات السياسية

دكتور مدحت حماد*: “مستقبل أمريكا والغرب” في الشرق الأوسط بعد إشعال فتيل “الحرب الدينية”؟

أمريكا الراعي الرسمي الرئيسي لحالة الجنون الإسرائلية المصاصة لدماء الفلسطينيين

بعد الجريمة الإسرائيلية النازية الفاشستية البشعة والمجزرة الرهيبة التي شهدتها كنيسة الروم الأرثوذكسية واستشهاد ستة عشر مسيحيًا فلسطينيًا، وبعد الفيتو الأمريكي في اجتماع مجلس الأمن أمس الخميس 19أكتوبر202 بشأن السماح بدخول مساعدات الإغاثة للفلسطينيين، أصبحت منطقة الشرق الأوسط برمتها تعيش على برميل وقود ملتهب وفي حالة غليان، حيث باتت أمريكا بمثابة الراعي الرسمي الرئيسي لحالة الجنون الإسرائلية المستعرة المصاصة لدماء الفلسطينيين، وهو الأمر الذي أدى بدوره إلى اشتعال الغضب العربي الإسلامي بل والعالمي، ضد المجازر الإسرائيلية اليومية المرتكبة بدماء باردة من جانب العصابات الصهيونية التي تحكم في تل أبيب وواشنطن.

مما لا شك في أن هذه التحولات والمستجدات غير المسبوقة على مدار عمر كيان الاحتلال الإسرائيلي، سوف تقود المنطقة إلى تغيير جذري في معادلات التوازن والردع بين إسرائيل وبين جميع المحيطين العربي والاسلامي الذي يقيم بداخله كل مَن يعيش فيما يُعرف بإسرائيل. فلا أحد بمقدوره الآن أن يتوقع إلى أين ستذهب وستصبح الأمور وكيف سيكون مستقبل شرق المتوسط بعد الآن.

نحن أمام حالة اصطفاف اقليمي دولي غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.

إن العودة العسكرية النوعية الأمريكية لشرق المتوسط، وما رافقها من وصول قطع بحرية استراتيجية بريطانية، تكشف هي الأخرى، عن غموض وغيوم بات يلوح في الأفق الخاص بمستقبل منطقة شرق المتوسط. فإذا ما أضفنا الوجود العسكري النوعي الإستراتيجي الروسي والإيراني المتحقق فعليًا في شرق المتوسط عقدين على الأقل، نصبح أمام حالة اصطفاف اقليمي دولي غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.

الحقيقة أن اختلاط دماء الشهداء الفلسطينيين بين ما هو إسلامي وما هو مسيحي في عملية الإبادة العرقية الممنهجة من جاب الكيان الإسرائيلي المتغطرس بمباركة أمريكية بريطانية، إنما تذكرنا بمشاهد الحروب الصليبية التي إنتشرت في الأفلام السينمائية، التي انتهت جميعها بنهاية واحدة، هي النهاية التاريخية التي حدثت، ألا وهي هزيمة الصليبيين وطردهم من شرق المتوسط، ليعودوا من حيث أتوا، وهي نفس النهاية التي باتت تقترب أكثر فأكثر فأكثر عما كانت عليه الأمور قبل السابع من أكتوبر 2023.

تداعيات زوال وأفول الهيمنة الأمريكية.

مما لا شك فيه أن وقت رحيل أمريكا _كما نعتقد_ هو نفسه، وقت هزيمة الصهيونية في الشرق الأوسط ومن ثَمَّ زوال الكيان الصهيوني الوقح، المعروف إعلاميًا بإسرائيل. عندئذ، لن يصبح لأمريكا موطئ قدم ليس فقط في شرق المتوسط، إنما في معظم أرجاء الشرق الأوسط، وخصوصًا غرب آسيا. هنا نفقط سيبدأ فعليًا العد التنازلي لزوال وأفول لسي فقط الوجود والهيمنة الأمريكية في العالم فحسب، إنما سيصاحب ذلك زوال وأفول الهيمنة الأوروبية الغربية على العالم بأسره، وهو الذي سيكون زوالاً مركبًا.. أي زوال سياسي، اقتصادي، عسكري، أمني، علمي وثقافي.

نحن بصدد حدوث فراغ إستراتيجي لم يحدث في الشرق الأوسط منذ خمسة قرون.

هذا الأمر يعني أنه يجب علينا أن نضع تصورات وسيناريوهات لما بعد زوال النفوذ والهيمنة الأمريكية الأوروبية من الشرق الأوسط. حيث سنصبح أمام فراغ إستراتيجي لم يحدث في المنطقة منذ خمسة قرون. إذ أن السؤال المركب هو: من الذي سيحل محل أمريكا. ومن الذي سيحل محل بريطانا وفرنسا وألمانيا؟ أي الدول الإقليمية هي التي ستشارك في اعادة رسم وصنع خريطة النفوذ والتحالفات الإقليمية وكيف ستفعل ذلك؟ كيف ستتم صياغة العلاقات بين القوى الإقليمية وبين القوى الدولية التي ستحل محل أمريكا، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا؟ ووفق أي أسس سيتم ذلك، ولمن ستكون القيادة؟ وفي أي من الأٌطر ستُصَاغ "هذه" (نعم أقصد: "هذه" وليس "تلك".) التحالفات الجديدة؟

"طوفان غزة السابع من أكتوبر" هو مهر و ثمن التغيير الجذري في قيادة وأدارة العالم.

الواقع أن عملية "طوفان غزة السابع من أكتوبر" هي بمثابة "الحدث التاريخي المُنشئ" لواقع ولعالم شرق أوسطي جديد، وبالتأكيد لن تذهب دماء الشهداء الفلسطينيين هدرًا، فهي بمثابة المهر أو الثمن "الديني الشرعي" الذي يجب دفعه من أجل تحقيق هذا التغيير الجذري في قيادة وإدارة العالم.

إذًا: هل تدرك الحكومات العربية هذا؟ وهل تتوقع؟ بل هل تريده؟ وكيف تديره أو ستديره؟ أم إنها ستبقى كما هي أسيرة القناعات التي لازالت تقول بأن "النظام العالمي القائم بعد الحرب العالمية الثانية، لم يسقط بعد؟"

  • أستاذ الدراسات الإيرانية والخليجية بجامعة طنطا،
  • مدير مركز الفارابي للدراسات السياسية والإستراتيجية.

حلمي النمنم: الحدود المصرية؟؟

مجددًا، هذا الأسبوع، وضعت الدولة المصرية النقاط على الحروف فيما يخص حدودنا مع فلسطين وما يجرى فى غزة وإسرائيل.

الواقع أن حدودنا كلها ملتهبة، جنوبًا وغربًا وفى الشمال الشرقي، حيث قطاع غزة، المشكلة فى حدودنا مع غزة مختلفة، من الغرب والجنوب كان ممكنًا أن يتم تهريب السلاح إلى الداخل المصري، وربما تهريب وعبور إرهابيين. من ناحية غزة، كانت هناك نفس المشكلات، يُضاف إليها أن هناك مَن يصر على دفع سكان القطاع إلى الهرولة جماعيًّا، نحو سيناء، ليس إقامة مؤقتة ولا ضيافة، بل استيطان تام بها.

«افتحوا المعبر».. «افتحوا الحدود»

منذ حوالي عشرين عامًا، وكلما تعرضت غزة لغارات إسرائيلية، كانت مجموعات منظمة فى مصر والعالم العربي تتوقف تمامًا عن انتقاد إسرائيل أو توجيه اللوم إليها، ولا تفكر فى حل جذري للأزمة، بينما تصب جام غضبها على الحكومة المصرية، تحت شعار: «افتحوا المعبر».. «افتحوا الحدود».. «ارفعوا الحصار عن غزة». أدبيات تلك المرحلة مليئة بالكثير من ذلك، وهناك نجوم لمعوا وأفراد تكسّبوا تحت تلك الشعارات. والمعنى المباشر لهذه المطالب هو اجتياح الحدود المصرية، وتفريغ فلسطين من أهلها ومواطنيها ليملأها المستوطنون، وتتمدد إسرائيل. الفلسطينيون، مع الوقت- طبقًا لهذا التصور- قد يذوبون، حيث استقروا، أو يؤسسون وطنًا بديلًا. تلك الخطورة أو هذا المعنى للنزوح الجماعي كان واضحًا طوال الوقت لدى المعنيين فى الدولة المصرية والقيادات الفلسطينية، خاصةً رموز السلطة الوطنية، لكنه لم يكن كذلك لدى آخرين، خاصة ملوك المزايدة السياسية.

فى وقت من الأوقات، راهنت أطراف دولية على أن تعود مصر إلى إدارة القطاع، وتتولى المملكة الأردنية الضفة الغربية. وصل الأمر، زمن الرئيس السادات، إلى التلويح بإمكانية ضم القطاع نهائيًّا إلى مصر، لكن كان هناك إصرار مصري رسمي على رفض ذلك التصور نهائيًّا، كان واضحًا أن المقصود هو إنهاء فعلى للقضية الفلسطينية.

دويلة «غزة الكبرى»، بديلًا عن دولة فلسطين.

الواقع أن ذلك الطرح داعب فريقًا من الإسرائيليين مجددًا، لكن بشكلٍ آخر، يقوم على تفريغ غزة من سكانها إلى سيناء للاستيطان بها أو ضم جزء من سيناء إلى غزة، تُقام عليه دويلة «غزة الكبرى»، بديلًا عن دولة فلسطين. من أسف أن بيننا مَن تبنى ذلك التصور فى وقت ما، وسعى إلى تنفيذه، لكن رفضه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورفضته بشدة القوات المسلحة المصرية وأجهزة الدولة. وفوجئنا بتسريب صوتي للرئيس السابق حسنى مبارك بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاول مناقشة هذا الأمر معه، لكنه- مبارك- أغلق الموضوع نهائيًّا، وبحسم، كان ذلك قبل أن يغادر مبارك موقعه بحوالي ستة شهور. رغم هذا الوضوح، ومع صراخ الابتزاز السياسي والتخوين الوطني، كانت الدولة المصرية، حتى سنة ٢٠١١، تؤثر الصمت، ويتخوف رجالها من قول ما يرونه، ويبحثون عن تبريرات خارج الموضوع، فتبدو الدولة ضعيفة ومهتزة، كسيرة أمام الرأي العام ومتخاذلة بجوار الصارخين وجماعات الضغط، فيزداد الابتزاز والترهيب.

السابع من أكتوبر 2023 يوم «طوفان الأقصى»: «افتحوا الحدود أمام إخوتنا»!

كنا بصدد السيناريو نفسه هذه المرة، حين بدأت السبت الماضي عملية «طوفان الأقصى»، التي تواكبت مع الذكرى الخمسين لانتصار أكتوبر سنة ٧٣. مع الأخبار التي تُنشر حول الذكرى المجيدة، ظهرت تعليقات بذيئة تُهون من المناسبة، بل تسخر منها ومن الاحتفاء بها، وتطالب بفتح الحدود: «افتحوا الحدود أمام إخوتنا». توافق ذلك المطلب مع آراء نُشرت فى إسرائيل تطالب سكان غزة بالتوجه إلى سيناء والبقاء بها، الآراء لم تصدر عن الحكومة الإسرائيلية ولا عن جيش الدفاع، لكن المعتاد فى مثل هذه القضايا أن تتطاير هكذا آراء أو اقتراحات لجَسّ النبض واختبار مدى تقبُّلها، فإن رُفضت نُسيت (مؤقتًا)، وإذا بدَت احتمالات قبولها أو النقاش حولها أو رددها بعض ببغاوات السياسة، تُقدم بشكل رسمي، حدث ذلك كثيرًا فى التاريخ بشأن العديد من القضايا الكبرى.

رد الفعل الرصين والواضح.. الصارم من الدولة المصرية جاء أولًا على هيئة تصريحات من «مصدر أمنى» إلى قناة القاهرة الإخبارية، تحذر من دفع أهل غزة إلى سيناء، نُقل عنها فى معظم المنصات الإعلامية، ثم جاءت تصريحات الرئيس السيسي فى هذا الأمر قاطعة ومحددة بخصوص الأمن القومي المصري وموقفنا من القضية الفلسطينية. هذا الموقف ألزم معظم الأطراف بجادة الصواب. الحكومة الإسرائيلية نفت أن يكون لديها هذا الطرح، كررت هذا النفي، وأكدته وزارة الدفاع الإسرائيلية وكذا السفارة الإسرائيلية فى القاهرة. الذباب الإلكتروني صاحب هتاف «افتحوا الحدود أمام إخوتنا» بان موقعه بالضبط وأين يصب صراخه. يكشف أيضًا، لنقل «يُعَرِّى».. الكثير من الحملات التي تشنها دوائر أمريكية حول مسؤول أو حاكم عربي هنا أو هناك، دائمًا الذريعة غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

الحقيقة دائمًا أيضًا أن الرضا أو الغضب الأمريكي على نظام أو حاكم فى منطقتنا أو خارجها يرتبط مباشرةً بمدى الانصياع أو الاعتراض على المطالب- الأوامر- الأمريكية. ولدينا عشرات النماذج، من ستالين نفسه إلى شاه إيران محمد رضا بهلوي إلى نورييجا، وحتى ما شئت من الأسماء، خاصة فى منطقتنا العربية.

ما الذي يحدث منذ حرب ١٩٤٨ إلى يومنا هذا؟

حماية الحدود المصرية ورفض اجتياحها واجب الدولة الأول ومهمة النظام السياسي حماية للحق الفلسطيني فى تشكيل دولة فلسطينية مستقلة، ذات سيادة. قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين سنة ١٩٤٧ نص على وجود دولة لليهود ودولة للعرب على أرض فلسطين، إلى يومنا هذا لم تتم إقامة دولة فلسطين. تحاول إسرائيل بكل الوسائل منع قيامها، وتجد مساندة فى ذلك من الدولة العظمى. هذا الموقف الرسمي والإعلان عنه بهذه الدرجة من الشفافية يجب أن يضعا حدًّا لحالة نشأت وتكونت فى الإعلام والثقافة العربية، واتسع نطاقها فى الشارع وبين بعض التيارات السياسية، خاصة تلك التي تقف فى أقصى اليسار واليمين الديني تحديدًا، منذ حرب ١٩٤٨ إلى يومنا هذا.

تتلخص هذه الحالة فى أنه مع كل هجوم تشنه إسرائيل أو انتصار تحققه، فإننا نتوجه باللعن وجلد الذات، ولا نتهم الطرف الذى اعتدى ولا الظروف الدولية التي تعمل كلها لحسابه.ربما كانت الحملة التي سُميت صحفيًّا وسياسيًّا (صفقة الأسلحة الفاسدة) هي البداية لتدشين تلك الحالة، والآن طبقًا لكل الوثائق والشهادات والتحقيقات التي تمت زمن الملك فاروق ثم زمن اللواء محمد نجيب، لم تكن هناك أسلحة فاسدة، لكن كان جيش إسرائيل يفوق عدديًّا كل الجيوش العربية التي شاركت، وكان لديه أحدث الأسلحة ومقاتلوه من خيرة مقاتلي الحرب العالمية الثانية، خاصة الطيارين، لكن أطرافًا سياسية عديدة فى القاهرة أمسكت بتلك الحملة، وراحت تُغذيها لحسابات خاصة بها. دشنت هذه الحملة نظرية أن المشكلة ليست فى إسرائيل واحتلال الأراضي الفلسطينية ورفض إقامة دولة فلسطينية، بل فى المجتمع والحكومات العربية، وأن إقامة الدولة الفلسطينية لا تبدأ من داخل فلسطين، بل من القاهرة أو دمشق أو بغداد وغيرها من العواصم العربية.

هذه الإدانة كانت مريحة- عز الطلب- للحكومات الإسرائيلية وللعواصم الكبرى فى الغرب، تُعفيهم من أي مسؤولية أخلاقية أو أمام القانون الدولي، هي كذلك أرض خصبة لمَن أرادوا إحراج حكوماتهم وابتزازها أو الخلاص من نخب معينة أو إزاحتها والقفز عليها، وكان الغرب على استعداد دائم لتغذية ودعم بعض هؤلاء.

السؤال: هل آن الأوان لتغيير تلك العقليات ومراجعة تلك الأفكار؟

الدكتور مدحت حماد: تحديات انتخابات الرئاسة المصرية 2024؟ (4/4)

الرئيس السيسي هو "القاسم المشترك" في مكونات المشهد الداخلي المصري.

مثلما انتهينا في الحلقة السابقة، فإن جميع المعادلات الخاصة بإنتخابات الرئاسة المصرية ترتبط بشكل مباشر بعوامل رئيسية ثلاث هي:

1- شخص الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه.

2- سياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه، الداخلية والخارجية على السواء.

3- إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه للقضايا والأزمات القومية.

السبب المباشر لربط جميع عناصر ومكونات المشهد الانتخابي المصري بشخص "الرئيس عبد الفتاح السيسي"، هو تلك السلطات والصلاحيات الدستورية المرتبطة به ارتباطًا مباشرًا من جهة، وتصدره الدائم للمشهد اليومي المصري داخليًا وخارجيًا من جهة أخرى، لدرجة أنه قد تدخل بنفسه في قضايا الحياة اليومية للمصرين مثل "سعر ووزن" رغيف العيش المدعم، حاملاً على عاتقه ما كان يجب أن يقوم به رئيس الوزراء أو وزير التموين، وهو الأمر الذي يفسره الناس دومًا في الشارع المصري، بأنها رغبة الرئيس نفسه، وأن عدم تناول مثل هذه القضايا من جانب غيره من المسئولين، وعلى النحو الذي يفعله الرئيس بشخصه، إنما هو نتيجة تعليمات أو إلتزامًا بتوجيهات رئاسية.

شواهد من الوضع الداخلي

على أية حال.. أصبحنا نقترب جميعًا من عام 2024، وحتى الآن الوضع الداخلي كما يلي:

1- همهمات هنا وهناك حول المنافس المنتظر للرئيس عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية القادمة.

2- تخمينات هلامية بشأن الأحزاب التي ستدعم المنافسين للرئيس السيسي، وهل سيكون لديها جرأة المنافسة الحقيقة أم لا؟ وهل أصلاً سيكون لها ظهير شعبي أم لا؟

3-اشاعات هنا وهناك أن الحكومة ربما تبدو في مشكلة بخصوص القدرة على إقناع المصريين بأنهم سيكونون بصدد انتخابات رئاسية حقيقية.

4-اشاعات هنا وهناك بشأن دور المؤسسة العسكرية في المشهد الرئاسي القادم، استنادًا لظاهرة "تعاظم دورها" في معظم مناحي الحياة المصرية.

5-تسريبات هنا وهناك بشأن عودة أبناء "الرئيس مبارك" للمشهد السياسي الرئاسي، ثم خروج أحد نواب مجلس النواب ليتناول في برنامجه التلفزيوني قضية "الحق في عودة الذين تم تقييد حقوقهم السياسية لمدة خمس سنوات، ومن ثم عدم حقهم في العودة مجدًا للحياة السياسية عبر الترشح للإنتخابات الرئاسية. (عن الأستاذ مصطفى بكري، والسيد جمال مبارك، أتحدث).

6-ترويج سيئ النوايا لظهور "المهدي السياسي المنتظر" الذي سيخلص مصر مما هي فيه. (عن أحمد طنطاوي أتحدث)، وأنه سيرجع إلى مصر من منفاه الإختياري!! من أجل إنقاذ مصر والمصريين.

7-انتشار خزعبلات هنا وهناك بشأن تدخل دول عربية خليجية لمناصرة ودعم بعض الشخصيات المصرية، للترشح أمام الرئيس السيسي في الانتخابات القادمة.

8-البلبلة التي ارتبطت بـ "الواقعة اللندنية للإعلامي عمرو أديب" عندما قام ببث فيديو من لندن يتناول فيه الأوضاع الداخلية في مصر، بشكل أحدث صدمة حقيقية لدى المصريين وغير المصريين.

عشرات وعشرات الأحداث والمواقف المختلفة، التي إن دلت على شيئ إنما تدل على "عِظَمة وعَظَمة" الحدث، أي الإنتخابات الرئاسية القادمة، ولما لا وهي ترتبط بأكبر دولة اقليمية عربية افريقية شرق أوسطة هي مصر. ليبقى السؤال كما هو: إذًا ما الحل؟

نعم، ما الحل؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال، يجب أن نسأل أنفسنا أولاً: أصلاً، لماذا وقعنا في هذه المصيدة/الأزمة السياسية؟ مَن الذين تسببوا في أن نقع فيها على النحو الذي نعيشه الآن؟

الحقيقة أنني أعتبر أن الجميع متشاركون أو لنقل شركاء متضامنون _ حتى دون إرادة أو إتفاق_ فيما وصلنا إليه بخصوص الانتخابات الرئاسية القادمة، وعلى رأس هؤلاء وفي مقدمتهم، الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه، مرورًا بالسلطة التشريعية وانتهاءًا بالأحزاب سواء تلك التي استأسدت استنادًا لمؤازرة بعض القيادات العسكرية السابقة، فما كان منها إلا أنها أخذت تدير المشهد السياسي وكأنها الظهير الوحيد، المناصر الوحيد، الداعم الشعبي الوحيد و... و... الوحيد للرئيس السيسي، وكأنها هي الأحزاب الوطنية الوحيدة المنوط بها حماية الرئيس، النظام بل وحماية الوطن نفسه! نفس الثقافة والقناعات والمنهج والأداء السمج الذي كان عليه الحزب الوطني الديموقراطي، أو تلك الأحزاب التي رضيت بالتهميش لضآلة وجودها في الشارع، أو قبلت بالتهميش مقابل صفقات نيابية اقتصادية هنا أو هناك، أو خضعت للتهميش انكسارًا نتيجة لعوار ما ربما أصاب بعض رموزها أو قادتها، فما كان من هؤلاء جميعًا إلا إلتزام الصمت، وإلا؟ طبعًا هذا بجانب جموع المصرين التي عادت من جديد إلى "الكنبة"، يأسًا أو خوفًا أو انكسارًا أو ترقبًا، أو...

لهذا فمن الطبيعي أن يدفع الجميع فاتورة ما حدث طوال السنوات التسع السابقة، وما نتج عن ذلك من فقدان الفرص والوقت التي كانت متاحة أمام ولدى الجميع للإستعداد للإنتخابات الرئاسية 2024.

أعود لأطرح السؤال مرة ثالثة وأخيرة، وأقول: إذًا ما الحل؟

نحو "صفقة توافقية" بين الرئيس وبين القوى والمؤسسات السياسية المصرية،

الحل هو الوصول إلى "صفقة توافقية" بين الرئيس وبين القوى والمؤسسات السياسية المصرية، يكون من شأن هذه الصفقة تحقيق ما يلي:

1- اعلان فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بولاية رئاسية جديدة من جانب عموم المصريين بالتذكية.

2- تعهّد الرئيس عبد الفتاح السيسي بعدم القيام بأي تعيل دستوري مستقبلي يتيح له الترشح من جديد لرئاسة الجمهورية بعد عام 2030.

3- تعهّد الرئيس عبد الفتاح السيسي بإجراء انتخابات المحليات في الربع الثالث من عام 2024، مع تعهده بضمان نزاهتها.

4- تعهّد الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن تكون هناك انتخابات نيابية حقيقية بعد 2024 واتاحة الفرص الحقيقية لظهور الشخصيات القيادية التي تكون جديرة بالتنافس في انتخابات رئاسة الجمهورية في عام 2030 وأن يكون هو الضامن لإجرائها ومراقبة نزاهتها،.

5-تعهّد الرئيس عبد الفتاح السيسي بتشكيل حكومية وطنية، تضم كوادر قيادية حزبية، من أجل إشراكها في إدارة شئون الدولة وتحمل المسئولية من جهة، ويكون هدفها الأول هو كبح جماح التضخم والأزمة الاقتصادية، وضمان تحقيق الاستقرار الاقتصادي للمصريين بما يؤدي إلى خلق الوقت والفرص اللازمة كي يشارك المصرييون بفاعلية في الحياة الحزبية التي هي أولى خطوات الطريق نحو انتخابات محلية، نيابية ورئاسية حقيقية.

حقيقتان وكلمة أخيرة لله وللوطن، لعل..؟

الحقيقة التي لا شك فيها، هي أن جميع المقالات الأربع التي كتبتها في هذا الشأن، إنما انطلقت من ثوابت وطنية راسخة في نفسي رسوخ الجبال، وقناعتي الشخصية بأن الإعتراف بالأزمة هو البداية الصحيحة لحلها، وإيماني المُطلق بأن المبادرة الطوعية من جانب أولى الأمر، من شأنها وأد الفتن والثورات والاضطرابات، وهو نفس ما كنت قد حذرتُ الحزب الوطني منه في مؤتمره الذي عقده عام 2005 بفندق رمسيس هيلتون حول التعديلات الدستورية التي كان قد اقترحها الرئيس مبارك في 2005 من أجل اجراء الانتخابات الرئاسية بعيدًأ عن الاستفتاء، ومن خلال الانتخابات المباشرة بمشاركة أكثر من مترشح. آنذاك، وبينما كنتُ أشارك في الجلسة التي كان يديرها الأستاذ رفعت سيد أحمد، وتتحدث فيها الدكتورة منى مكرم عبيد، قمتُ بتقديم اقتراح لحل حالة الإختناق السياسي المستحكم في مصر حلاً جذريًا دائماً، ووضعت هذا الإقتراح _الذي كان على شكل مبادرة_ تحت عنوان: لكي لا تولد الفتنة في مصر. ما حدث أن أحدًا لم يسمع، فما كان إلا أن اشتعلت ثورة 25 يناير2011.

الحقيقة الثانية التي لا شك فيها عندي، هي أن المشهد السياسي الراهن في مصر يشبه إلى حدٍ كبير ما كان قد تبلور في مصر عقب ظهور حركة كفاية بصفة عامة، واعتصامات القُضاة بصفة خاصة.

هل تصبح "التحديات" سببًا ومصدرًا "للتهديدات"؟

لهذا فإن جمييع ما قلته في هذا الصدد، إنما أقوله لوجه الله، وللوطن، وكذلك للتاريخ، لعل كلامي يصل وبسرعة الضوء إلى مَن يهمه الأمر في هذا الوطن، ذلك أن التغافل عن حقيقة وجوهر المشهد الساسي الداخلي، أو الإستخفاف به والإنتقاص منه، إنما يشكِّل البيئة الخصبة لنمو واستقواء وتعاظم خطر "التهديدات" التي ستكون بكل تأكيد قادمة من الخارج، متكئة ومنطلقة من كافة أشكال الفشل والإخفاق المتعلقان بإدارة ومجابهة "التحديات الداخلية".

كلمة حتمية لازمة.

د. مدحت حماد: نحو "صفقة توافقية" بين الرئيس وبين القوى والمؤسسات السياسية المصرية

في النهاية، تبقى كلمة حتمية لازمة مفادها، أنه لا يجب أن يقول البعض لنفسه إنني من خلال هذه المقالات الأربع، أعادي الرئيس، وأنكر ما تحقق من منجزات على أرض الواقع في الكثير من المجالات والقطاعات أو أنني أنكر الدور الذي لعبته الأزمات الدولية التي يشهدها العالم منذ أربع سنوات، صحيًا (أزمة كورونا)، عسكريًا وأمنيًا (الحرب الروسية الأوكرانية وغيرها) اقتصاديًا (الغذاء والطاقة)، فضلاً عن مجابهة الدولة المصرية للإرهاب والتنظيمات الإرهابية التي كانت معشعشة في الشارع والأحياء المصرية منذ عقود، هذا رغم يقيني بأن ثمة سياسات أخرى كان من شأن القيام بها الحد من بلوغنا الأزمة المتعلقة بالانتخابات الرئاسية القادمة بما يؤدي في النهاية تعظيم المدركات والمكاسب السياسية وغير السياسية في ربوع مصر، وعلى مستوى جميع المصريين.

والله الموفق.

اللهم احفظ مصر، اللهم احفظ مصر.

إنتهى.

أ.د. مدحت حماد

الدكتور مدحت حماد: تحديات انتخابات الرئاسة المصرية 2024؟ (4/3)

في هذه الحلقة سوف نتناول أحد أهم التحديات الرئاسية الخاصة بإنتخابات الرئاسة المصرية 2024. فكما سبق القول كانت ولازالت هناك مجموعة من التحديات التي قد تنال من النتائج الخاصة بهذه الانتخابات، بل وربما قد تكون سببًا للحد من المشاركة الشعبية من جانب جموع المصريين، والأكثر من ذلك أن تصبح سببًا مباشرُ للنيل من الشرعية السياسية للرئيس عبد الفتاح السيسي عند أو عقب الإعلان عن فوزه في هذه الانتخابات بولاية رئاسية جديدة.

هل الرئيس السيسي هو التحدي الأكبر للرئيس السيسي؟

قد يبدو هذا السؤال غريبًا للبعض من السادة القراء، لكنه من وجهة نظر الكاتب سؤال مُبَرَّر بل ومنطقي، وذلك للكثير من الأسباب منها:

1- الجدل الكبير الذي أصبح قائمًا بين المصريين سواء حول شخصية الرئيس أو حول سياساته وبالتالي العمل والأداء الحكومي طوال السنوات الثمان الماضية.

2- الانقسام الشديد الذي أصبح قائمًا بين الكثير من المصريين بين مؤيد ومعارض، بشأن ضرورة استمرار الرئيس لست سنوات قادمة.

3- الترقب أو لنقل الغموض _المصحوب بالحذر والخوف_ تجاه الأوضاع المعيشية الاقتصادية للمصرين في حال استمرار الرئيس في الحكم لفترة رئاسية جديدة.

4- الترقب أو لنقل الغموض _المصحوب بالحذر والخوف_ تجاه نوايا الرئيس، بل وجميع مكونات النُخب المحيطة بالرئيس، بشأن ميلاد رغبة جديدة لإجراء تعديل دستوري _على غرار ما فعله الرئيس نفسه منذ ست سنوات_ بهدف اتاحة الفرصة الدستورية له للبقاء في السلطة بعد 2030.

الرئيس السيسي هو "التحدي الأكبر" للرئيس السيسي.

نتيجة لجميع هذه المعطيات/الأسباب، أصبح الرئيس السيسي هو "التحدي الأكبر" للرئيس السيسي في الإنتخابات الرئاسية القادمة. أيضًا من الممكن أن نضيف إلى جميع ما سبق، العوامل والأسباب التالية:

1- "الحيرة" المصحوبة بالدهشة _أو الصدمة لدى الكثيرين_ تجاه جوهر شخصية الرئيس السيسي نفسه، وهي الحيرة التي خلقتها وتجسدها كلماته وتصريحاته هو نفسه مثل: "إحنا فقرا أوي. أنا مش لاقي أعلِّم، مش لاقي أأكل، مش لاقي أعالج!! مقابل: أيوا ببني قصور، وهبني قصور!!!"

2- تراجع معدلات الثقة في وعود الرئيس نفسه فيما يخص الحياة اليومية للمواطنين، ففي البداية طالب الناس بالصبر 6 شهور، ثم عام، ثم الصبر حتى عام 2020، وأمَّا قال للمصريين اصبروا، وهتشوفوا العجب العجاب"، مقابل جميع هذه التصرحات تضاعف رهيب في معدلات التضخم، انهيار الجنيه، ارتفاع جنوني في الأسعار، خصوصًا أسعار السلع والخدمات، انبوبة البوتاجاز بدلاً من 6 جنيه، 10 جنيه، وصلت إلى 120 جنيه، كيلو البصل بدلاً من جنيه، اتنين جنيه أصبح 25 -30 جنيه!!! كيلو الأرز من 3 جنيه إلى 25 -30 جنيه، ولتر الزيت حدث ولا حرج، وكذلك اللحوم والأسماك رغم أنه قد أصبح في مصر أكبر مزارع سمكية. الحقيقة أن الشكوك التي أحاطت بنوايا الحكومة وهي تدير أزمة الأعلاف التي أسفرت عن تضاعف أسعار الدواجن 200% خلال أقل من ستة أشهر أصابت الجميع بالذهول والجنون والصدمة والشك المطلق في نوايا الحكومة تجاه الناس، وهو الأمر الذي جسدته جميع الاشاعات التي انتشرت انتشار النار في الهشيم طوال تلك الأزمة، هذا بخلاف قيام الرئيس نفسه بالإعلان عن وجود أخطاء في الحسابات الخاصة ببعض المشروعات التي أُطلق عليها مشروعات قومية مثل مشروع مدينة دمياط للأثاث.

3- الجمود الغريب في الحياة السياسية والحزبية المصرية، بشكل أصاب الجميع بالصدمة والذهول. فبعد حِراك سياسي نوعي غير مسبوق في الحياة السياسية المصرية شهدته مصر بين 25 يناير ويونيو 2014، ولأول مرة بعد ثورة 23 يوليو، تصمت الحياة الحزبية الحقيقة وتنشق الأرض عن "أحزاب كبرى برائحة عسكرية" تدير المشهد السياسي برمته بنظام التوافق وتقاسم "التورتة"، ليُصاب المصرييون بـ "اختناق سياسي" يذكرهم بما كان عليه الأمر بين عامي 2005 و2010، أي منذ ظهور حركة "كفاية" وحتى "الجريمة السياسية الوطنية الكُبرى" التي قام بها الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانية في 2010، الأمر أدى إلى الإنفجار ومن ثم "ثورة 25 يناير 2011"، التي كانت أول ثورة شعبية حقيقية من نوعها منذ ثورة 1919م.

4- القضايا الحيوية الإستراتيجية المصيرية المرتبطة بمصر والمصريين وعلى رأسها: قضية "سد النهضة" وقضية "تيران وصنافير". حيث نالت هاتان القضيتان كثيرًا من "مصداقية الحكومة" من جهة، ومن "معدلات ثقة الكثير من قطاعات المصريين في شخص الرئيس نفسه، وهي الثقة التي كانت قد بلغت عنان السماء في الفترة من 2013 وحتى 2016، وهي القضايا التي تم استغلالها أحسن استغلال من جانب أعداء الرئيس بصفة خاصة وأعداء الوطن بصفة عامة، وعلى رأسها التنظيم الإرهابي لجماعة الإخوان المسلمين.

5- التراجع الغريب المثير لعشرات بل ومئات التساؤلات بخصوص مواقف الحكومة بصفة عامة والرئيس السيسي نفسه بصفة خاصة، وذلك بشأن موقف "الدولة المصرية" من بعض الدول والقوى الإقليمية وعلى رأسها بالطبع قطر وتركيا، وهو ما يذكِّر الجميع بمواقف المملكة العربية السعودية تجاه هاتين الدولتين من جهة، وتجاه إيران وسوريا من جهة أخرى، الأمر الذي يصيب "المصداقية" في مقتل، خصوصًا إذا ما توقفنا عند أمر بسيط للغاية وهو أن كل هذا العداء والتراجع عنه والتحول للأحضان والقبلات السياسية إنما قد حدث في فترة لم تتجاوز بضع سنوات فقط في عصر الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، أي في عصر كل نَفَس فيه مرصود ومُدَوَّن ومسجل ولازال راسخًا في أذهان وعقول وضمائر ووجدان الأفراد والشعوب على اختلافهم.

الرئيس عبد الفتاح السيسي هو "المشكلة" وهو "الحل".

جميع ما سبق يرتبط مباشرة بما يلي:

1- شخص الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه.

2- سياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه، الداخلية والخارجية على السواء.

3- إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه للقضايا والأزمات القومية.

إذًا.. ما الحل؟

هذا ما سيتم عرضه وذكره في الحلقة القادمة إن شاء الله.

حلمي النمنم: محمد فايق.. ألغاز السياسة والتاريخ؟

فى مايو سنة ٢٠٢١، كتبت هنا- المصري اليوم- سلسلة مقالات عن أحداث مايو سنة 1971، التي أطلق عليها الرئيس الراحل أنور السادات «ثورة التصحيح». كان مرور نصف القرن على وقوعها مغريًا لإعادة قراءة وتأمل الوقائع، خاصةً أن الحديث عن تفاصيلها كان كثيرًا فى عدد من الكتابات الأجنبية والمعلومات حولها غزيرة، بينما هي شحيحة عندنا، وكل ما بقي عنها مجموعة «إفيهات ونكات» بين قدامى الصحفيين، حتى الكُتاب، الذين كانوا «ساداتيين» تجاهلوها، بل تجاهلوا السادات نفسه مع مرور الأيام. ليس لدينا عنها سوى كتاب موسى صبري «وثائق ١٥ مايو» وفصل مركز فى كتاب هيكل «الطريق إلى رمضان»، وهما- موسى وهيكل- يتبنيان وجهة نظر السادات، مع فارق التناول وموقع كل منهما. كان هيكل يبرئ نفسه من أن يُحسب على هذه المجموعة، وكان موسى مندفعًا بشدة إلى تبنى كل ما يراه السادات، وهناك كتاب مضاد أصدره الأستاذ عبد الله إمام يتبنى وجهة النظر الأخرى، وفى زحام الحياة وتدافع الأحداث والوقائع الجديدة، توقفت طباعة هذه الكتب، عدا كتاب هيكل، الذي صدرت منه طبعة مزورة سنة ٢٠١١

أخيراً.. وزير الإعلام الأسبق محمد فائق ينشر مذكراته تحت عنوان: "مسيرة تحرر".

الوزير محمد فائق

واقتضى الأمر أن أستفسر وأسأل عن بعض التفاصيل من أولئك الذين عايشوا تلك الأيام، فضلًا عن أن يكونوا طرفًا فيها. كان أبرز هؤلاء الأستاذ محمد فائق، الذي لم يبخل عن أى استفسار، وفى كل ما سمعته منه كان يقول: «هذا ما رأيته بنفسى.. هذا ما لدىَّ من معلومات.. أو هذا ما أعرفه»، ثم يضيف: «ربما تكون هناك جوانب أخرى، لا علم لى بها»، وذات مرة سألته: ألم يَحِن الحين لكتابة مذكراتك؟، فضحك بطريقته الودودة والهادئة: أقوم بكتابتها الآن. الأسبوع الماضي، وجدت السيرة (أي سيرة الأستاذ محمد فائق) مطروحة فى مكتبة تنمية بجوار مقر وكالة أنباء الشرق الأوسط، بعنوان «مسيرة تحرر»، وتقع فى ٣٥٢ صفحة، وصدرت المسيرة عن مركز دراسات الوحدة العربية. «مسيرة تحرر» يمكن قراءتها من عدة زوايا. مثلًا، ما يرد فيها من وقائع ومواقف سياسية وتاريخية، وهي فى ذلك غنية جدًّا، وتقدم الجديد، هذا رجل عرف وتعامل مع كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسنى مبارك، واقترب منهم جدًّا جدًّا. كان عبد الناصر مَن نصحه أن يتواصل مع السادات ويضعه فى الصورة، كان ذلك مساء ٩ يونيو 1967، كان «فايق» وزيرًا للإرشاد، وكان السادات رئيسًا لمجلس الأمة، هو أيضًا تزامل فى الكلية الحربية- السنة الأولى- مع حسنى مبارك، ثم عملا معًا فى قاعدة حلوان الجوية، قبل يوليو 1952، أما عبد الناصر فقد كان أستاذه سنة 1951 فى مدرسة الإدارة الحربية.

الوزير محمد فائق: السيدة جيهان السادات كانت ضد محاكمات ثورة التصحيح مايو 1971.

السيدة جيهان السادات

الرئيس السادات وزوجته السيدة جيهان (قصة حب لم يكتبها القُصَّاص بعد)

يفاجئنا محمد فائق بأن السيدة جيهان السادات كانت ضد رغبة زوجها فى محاكمة وسجن «مجموعة ١٥ مايو»، وقالت له بالحرف الواحد فى جلسة بالمنزل، طبقًا لما نقله أشرف مروان، حيث كان حاضرًا: «لا يصح يا أنور تفعل ذلك مع هؤلاء، فهم كبراء البلد»، لكنه أهمل نصحها، وتثبت الأيام أنها كانت أبعد نظرًا، ذلك أن محاكمات ١٥ مايو أدت إلى اهتزاز هيبة جهاز الدولة ورجالها، وكان السادات أول مَن تحمل فاتورة ذلك طوال فترة حكمه. أنهت تلك المحاكمات وما صاحبها من تجريس كبار رجال الدولة وفضحهم عهد المسؤول «رجل الدولة» إلى عهد «الموظف الكبير»، وخلقت تصورًا لدى صغار القوم بأن المسؤول لا يصح أن يغادر موقعه دون تشهير وتجريس. عادة مملوكية وعثمانلية بذيئة، لا يليق أن تكون فى دولة حديثة. الطبيعي أن يغادر _بمنطق التداول_ أي مسؤول موقعه يومًا، وبمنطق أنه: "من حق الرئيس أن يختار بنفسه معاونيه الذين يراهم أقدر على تحقيق سياساته". ولما أجرت النيابة العامة التحقيق معهم انتهت إلى أنه «لا يوجد اتفاق جنائي، ولا توجد شبهة السعي أو محاولة (قلب النظام)»، واتجه النائب العام إلى حفظ التحقيق، والإفراج عنهم، لكن ظهرت بدائل أخرى. محكمة استثنائية. كان أحد أعضائها السيد "حسن التهامي"، وكان الرئيس مُصِرًّا على صدور حكم الإعدام فى حق أربعة، وطمأن أعضاء المحكمة إلى أنه سيخفف الحكم بنفسه.

الفريق محمد فوزي "المُفترى عليه".

الفريق أول محمد فوزي

كان أحد الأربعة الفريق محمد فوزي. وبعيدًا عن دور الفريق فوزي فى إعادة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة يونيو ٦٧، وأنه قائد حرب الاستنزاف العظيمة، والتى انتهت بإقامة حائط الصواريخ، فإنه كان شديد الإخلاص للسادات وأشد مَن سانده. ليلة وفاة عبد الناصر، شاع فى الدائرة الضيقة أن المخابرات الحربية رصدت أن عددًا من قادة القوات المسلحة لا يفضلون أن يكون السادات رئيسًا، ويحبذون اختيار زكريا محيي الدين، وهذا ما جعل هيكل يركز على صورة زكريا فى جنازة عبد الناصر، وذكر سامى شرف، فى حوار مع زميلنا الأستاذ إبراهيم عبدالعزيز، أن اتصالًا وصله من رئيس أركان حرب سلاح المدرعات، العقيد محمد عبدالحليم أبو غزالة، (المشير فيما بعد)، يرفض تولى السادات الرئاسة، وأنه حفظ سر «أبو غزالة».

السادات و"مراجعة للنفس" بشأن "الفريق فوزي".

https://www.youtube.com/watch?v=-QNCWFjJtQ8

رجال الدولة احترموا الدستور الذي ينص على أن يصبح النائب رئيسًا إلى حين إجراء استفتاء، هنا تدخل الفريق فوزي ليُذيب الجليد بين القادة والرئيس الجديد، فدعاه إلى زيارة عدد من المواقع ليقدمه إلى القادة، ونجح فى ذلك. كان السادات يقول للقادة فى زياراته: إن شاء الله ارجّع لكم سيناء دون حرب. وكان ذلك يثير التساؤلات لديهم، لكن القائد العام يهدئهم، ويصر على تواصل التدريب والاستعداد لحرب تحرير الأرض، ثم ها هو يتهمه، ويطالب بإعدامه!للتاريخ صحح السادات هذا الموقف بعد حرب أكتوبر، وأشاد بالفريق فوزي، أكثر من مرة، فى خطاب عام.

https://www.youtube.com/watch?v=AkEwo5LZkTk

هنا اعترض القضاء العسكري، ليس فقط دفاعًا عن الفريق فوزي، بل عن أبجديات المنطق والقانون، إذ لا يستقيم أن يحاكم قائد عام بتهمة التخطيط للسيطرة على الحكم بالقوة، ويكون هو المتهم الوحيد. تنفيذ مثل هذه العملية يقتضي وجود شركاء وأدوات للتنفيذ معه من القادة والضباط، مجموعات بأكملها، وحيث إنه لا شركاء له، فلا تصدق التهمة.

فى المسيرة أيضًا أن وزير الداخلية، شعراوي جمعة، و"سامي شرف"، مدير مكتب الرئيس، كانا الأشد إخلاصًا للسادات، حتى إقالة الأول ثم استقالة الثاني، وأن شعراوي حين أُبلغ بقرار إقالته اتصل بالوزير الجديد ممدوح سالم وهنأه. وقد اتصل فوزي عبد الحافظ برئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، محمد عبد الجواد، وطلب بث خبر إقالة وزير الداخلية.

السجينان (صلاح نصر ومحمد فائق)، "سجن واحد" و"موقف مختلف".

رئيس التحرير أحاط وزير الإعلام علمًا بالخبر قبل البث، هنا شعر (وزير الإعلام) أن هناك تجاوزًا لاختصاصه كوزير، فتقدم باستقالته. عثر المحققون على مسودة الاستقالة فى البيت أثناء التفتيش، كانت تلك دليل براءته من تهمة التدبير والتآمر مع آخرين، رغم ذلك قضى عشر سنوات كاملة فى السجن. فى منتصف المدة وصلته رسالة من الرئيس بالعفو مع نصف المدة، شكر الرئيس على ذلك، لكن العفو كان مشروطًا بأن يكتب رسالة اعتذار للرئيس عما فعل، وعن أنه استجاب لآخرين ورّطوه معهم. رفض العرض تمامًا، قيل له: لقد كتب صلاح نصر اعتذاره للرئيس، وها هو ينعم بالحرية ورغد العيش، كان رده: "أن صلاح نصر قال كلامًا عنيفًا وشتائم فى حق الرئيس وأسرته"، لكنه هو لم يفعل ذلك، لذا فلا اعتذار، وغضب الرئيس جدًّا. لحظة التماسك النفسي تجعل السجين أكثر قوة وتماسكًا.

مبارك "الرئيس" وصديقه القديم "محمد فائق".

بعد الخروج من السجن، استعان به زميله، صديقه القديم، الذي صار رئيس الجمهورية، (الرئيس مبارك)، فى عدد من المهام الدبلوماسية لتلطيف الأجواء مع العالم العربي، كانت البداية فى سوريا والرئيس حافظ الأسد. كان الرئيس مبارك يريد إعادة العلاقات، وكان الأسد راغبًا فى ذلك، لكن شريطة أن تتخلى مصر عن كامب ديفيد. الأسد قال إنه مستعد إذا فعل مبارك ذلك أن يسلمه شخصيًّا قيادة الجيش السوري أو يختار مبارك قائدًا من عنده للجيش السوري، وهناك عرف أن اتصالات السادات لم تنقطع يومًا مع حافظ الأسد، وأنهم طرحوا عليه نفس الطلب، وأن الاتحاد السوفيتي على استعداد لتقديم أحدث الأسلحة لمصر، حتى دون طلب، وأنه أى حافظ الأسد قادر على أن يوفر للسادات من الدول العربية الغنية مليارات الدولارات للمساعدة فى حل أزماته الاقتصادية، وكان رد السادات، كما سمعه «فائق» من حافظ الأسد: «أمهلونى حتى يوم ٢٥ إبريل ١٩٨٢، بعدها سوف (أقلب الطاولة عليهم كلهم)».

صحيفة بريطانية شهيرة في 1980: «يكفى السادات عشر سنوات من الحكم»؟!.

https://www.youtube.com/watch?v=kqbAJhgDvRQ

فهل تم تسريب هذا الرد فى حينه إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس تآمرًا بالضرورة، ولكن بالحكي والثرثرة فى دوائر البعث السوري، لذا وجدنا تقريرًا أمريكيًّا، رفيع المستوى، يحذر وقتها من أن السادات متقلب، ولا أمان له، وأنه يقول لوسائل الإعلام شيئًا، ثم يفعل العكس، وأنه يمكن أن يتراجع عن معاهدة السلام، ويقوم بإلغائها فور تحرير سيناء كاملة، وهل كان ذلك سبب افتعال مشكلة طابا فيما بعد؟!، هل كان ذلك سببًا فى أن الصحافة البريطانية والأمريكية «قلبت الطاولة» على السادات منذ نهايات سنة ١٩٨٠، إلى حد أن صحيفة بريطانية شهيرة قالت وقتها: «يكفى السادات عشر سنوات من الحكم»؟!.

السادات وكسينجر

السادات يخطب في الكينست الإسرائيلي

السادات وبيجين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق

السادات وجولدمائير

السادات وموشيه ديان

نكمل الأسبوع القادم.

المصدر صحيفة المصري اليوم الأحد 03-09-2023

تحرير واخراج: مركز الفارابي

الدكتور مدحت حماد يكتب: تحديات انتخابات الرئاسة المصرية ٢٠٢٤(2/4)

عندما أخذ المصريون يستعدون لأول انتخابات رئاسية بعد ثورة ٢٥ يناير، كان لدى جميع القوى السياسية والاجتماعية آمالاً عريضة وطموحة، رغم أن الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية كانت مملوءة بالتحديات والمخاطر بل والتهديدات.
وكان سقف الطموحات السياسية لدى الجميع لا حدود له، بل كانت معدلات التفاؤل السياسي تصل عنان السماء و هي تنطلق من قلب ورحم شعار ثورة ٢٥ يناير "عيش، حرية.. عدالة اجتماعية".

المشهد بأسره كان يذكرنا بثورة ١٩١٩، حيث كانت الآمال والطموحات و… لا حدود لها، بينما كانت "مصر" تئن وتنتحب بل وتغلي وتفور كالبركان وهي تحت الاحتلال البريطاني.
لهذا.. وجدنا معدلات التصويت والمشاركة السياسية في الانتخابات الرئاسية في ٢٠١٢، كما سبق القول في الحلقة السابقة، غير مسبوقة على الإطلاق في التاريخ السياسي المصري منذ ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.
إمتداد طوابير الناخبين على اختلاف أطيافهم وتوجهاتهم السياسية الدينية الحزبية والاجتماعية والاقتصادية، كان بمثابة الدليل الدامغ على "حيوية" المجتمع المصري بأسرة.

مثل هذه الصورة اندثرت تماماً فيما بعد، وكأنها كانت بمثابة "سحابة صيف سياسية"، وليست "سحابة صيف سياسي".
لذلك فبمجرد أن انتهت الانتخابات على ما انتهت إليه من فوز مرشح الإخوان المسلمين"محمد مرسي"، حتى دخلت مصر "نفقاً سياسيًا" معتماً شديد العتمة حالكة السواد، لتعيش الدولة بأسرها أسوأ حالات الاحتقان السياسي، بعد ثورة يوليو ١٩٥٢.
لقد انقسم المصريون انقاسماً حاداً ومأزومًا، وبات الاستقرار السياسي للدولة في أعلى مستويات الخطر، وفشل الجميع.. بمعنى كلمة الجميع، في احتواء بعضهم البعض، لندخل وبشكل أذهل العالم ثورة ثانية في أقل من عامين، هي ثورة ٣٠ يونيو، ولقد اعتقدنا جميعاً أننا بصدد "العصر الذهبي" الحقيقي المنتظر "للحياة الحزبية والسياسية" الذي تتوق إليه جميع أطياف وفئات ومكونات المجتمع المصري، وهو ما جسده، يقيناً، شعار: "دولة مدنية حديثة".
من أهم خصائص وسمات الدولة المدنية الحديثة، وفق ما نعلمه جميعاً، هو الأمل الحقيقي في إمكانية وصول "أي حزب للسلطة السياسية.
الأمل الحقيقي في منافسة الرئيس الفلاني الذي يتولى الحكم.
الأمل الحقيقي في وصول المترشحين للانتخابات البرلمانية نتيجة مشاركة حقيقية من جانب الناخبين وليس مشاركة مقننة، أو محكومة بتوافقات، أو… أو… أو.
الحدث المهم الذي لم يكن يتوقعه أحد، يتمثل في حدوث التعديلات الدستورية الخاصة بمدة انتخاب رئيس الجمهورية، ولم يكن قد مرّ سوى أربع سنوات على الدستور الذي تم الاستفتاء عليه، بعد ثورة ٣٠ يونيو.
ليس هذا فحسب هو الذي ترك بصماته وأثاره السلبية على "الطموحات السياسية" للقوى السياسية والحزبية، إنما كان تعسكر، أو عسكرة الأحزاب السياسية الرئيسية التي وصلت إلى السلطة التشريعية، أو حتى وجود "صبغة عسكرية ما لعدد من الأحزاب"، كان هو الآخر بمثابة عودة سلبية للوراء، من خلال استدعاء الصورة لقاتمة التي لم تكن قد غابت بعد عن ذاكرة المصريين وهي صورة الحزب الوطني، وحزب الحرية والعدالة.

حشود المصريين للتصويت في انتخابات الرئاسة 2012

من طوابير انتخابات 2012

فإذا ما أضفنا إلى ذلك كله "الحرب ضد الإرهاب"، كنتيجة طبيعية لعدم تسليم معظم الجماعات الدينية بثورة ٣٠ يونيو خاصة "التنظيم الإرهابي للإخوان المسلمين"، فضلاً عن تحالفها المتآمر على الوطن مع الكثير من أعداء الوطن أو بالأحرى أعداء ثورة ٣٠ يونيو التي أطاحت بالإخوان المسلمين وانتزعتهم من السلطة كالذي يقوم بخلع "ضرسه"، بينما كانوا يظنون في أنفسهم مشروعية نزعناها عنهم، ليستمر تحالفهم المتآمر مع العديد من القوى الدولية والإقليمية ما جعل الوطن بأسره في حالة حرب لأربع سنوات.

حشود المصرييين المليونية في ثورة 30 يونيو

كل هذا بينما الوضع الداخلي كان على النحو التالي:
١) إستمرار استفحال ظاهرة المطالبات الفئوية.
٢) إستمرار تآكل الاحتياطي النقدي الإستراتيجي المصري.
٣) إستمرار تعاظم الأزمات الخاصة بالبنية التحتية، كهرباء، غاز، طرق، مواصلات،…
٤) إستمرار التعديات على الرقعة الزراعية، والبناء العشوائي في جميع أنحاء مصر.
٥) إستمرار ظاهرة انتشار الفوضى الإدارية في الكثير من أجهزة ومؤسسات الدولة.
٦) تعاظم التهديدات الإقليمية والدولية من جانب القوى التي كانت ما تزال ترى بإمكانية عودة التنظيم الإرهابي للحكم اي الإخوان المسلمين.
٧) الأهم من كل ذلك تسليم "الأحزاب السياسية" وبشكل مثير للدهشة، بحتمية إحكام إرادة المؤسسة العسكرية وفرض سيطرتها على الجهاز الإداري للدولة حتى تستقيم الأمور والأوضاع الداخلية، ما أخذ يشكل البذرة واللبنة الرئيسية لمشاركة الكثير من القيادات العسكرية السابقة في الحياة السياسية بل وقيامها بتدشين عدد من الأحزاب السياسية التي صارت خلال أقل من خمس سنوات الظهير والزراع السياسي للقيادة المصرية، أي للرئيس عبد الفتاح السيسي.
الأمر الذي أدى بدوره إلى انكفاء الكثير من الأحزاب السياسية خاصة التي قامت على أساس "الرجل الواحد"، وكذلك نتيجة مباشرة لإنحسار الدعم المالي من جانب الكثير من رجال الأعمال، الذين رأوا أن مصلحتهم ومصالحهم الاقتصادية يجب أن تسير على النحو الذي كانت عليه قبل ثورة ٢٥ يناير، أي في كنف وحماية الأحزاب السياسية التي تدعم القيادة السياسية بشكل مباشر وواضح.
٨) قراءة جموع وعموم المصريين قراءة صحيحة مباشرة وبشكل عبقري، مفادها عودة جميع "العمليات الانتخابية البرلمانية منها والرئاسية" إلى"المربع صفر"، أي عودتها إلى ما كانت عليه قبل ثورة ٢٥ يناير.
وأن الأمر برمته لن يعدو سوى "عملاً شكلياً" وهو ما جسدته تراجع جميع المترشحين للمنافسة على الانتخابات الرئاسية في عام ٢٠١٤ عدا السيد "حمدين صباحي"، وتحولها في ٢٠١٨ إلى "حدث مسرحي" خاصة عندما أعلن المستشار مرتضى منصور عن ترشحه أمام الرئيس السيسى، ثم انسحابه!! ليدخل المهندس موسى رئيس حزب الغد في الحدث في الدقيقة ٩٠!! ليس هذا فحسب، إنما جاءت الانتخابات البرلمانية الأخيرة لتؤكد للناس جميعاً أن مصر بصدد حالة من "التراضي الحزبي السياسي" لتقسيم أو تقاسم "الكعكة البرلمانية" وهو ما يؤكده الانخفاض الكبير في معدلات التصويت من جانب الناخبين.

إن "الأزمة الحقيقية" من وجهة نظرنا، أن الجميع بمن فيهم القيادة السياسية قد انغمسوا تماماً في جميع الأزمات والتحديات والتهديدات السابق ذكرها، حتى أنهم لم يتمكنوا من قراءة "المشهد السياسي المستقبلي المأزوم"، الذي ستكون عليه الحياة السياسية في ٢٠٢٤، على النحو الصحيح، بل إنه عندما بدا أن القيادة السياسية أي الرئيس عبد الفتاح السيسي قد استشعرت الخطر، فأطلقت "الحوار الوطني"، تحول الحوار نفسه إلى آلية "لتجميل المشهد السياسي برمته في ٢٠٢٤" وليس آلية لإعادة الروح للحياة السياسية على النحو الذي كانت عليه مصر "وطناً وشعباً" في عام ٢٠١٢.

وللحديث بقية.

قريبًا على موقع الفارابي: الدكتور مدحت حماد.. الانتخابات الرئاسية في مصر 2024

اعتبارًا من الأحد القادم الموافق 9 يوليو 2023 سوف ينشر مركز الفارابي سلسلة مقالات للأستاذ الدكتور مدحت حماد حول الإنتخابات الرئاسية المصرية (يونيو 2024). سوف يتناول فيها الأبعاد الخاصة بهذه الإنتخابات على المستويات الثلاث: المحلي والإقليمي والدولي، وكذلك الاحتمالات الخاصة بالشخصيات التي سوف تتنافس مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذه الإنتخابات والتوقعات الخاصة بهم.

الأرشيف