مركز البحوث والدراسات الأمنية

الجديد الذى ننتظره حلمي النمنم

يُطلعنا د. محمد حسين هيكل (باشا)، في مذكراته السياسية، على الكثير من خبايا جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتى انتهت بصدور القرار ١٨١ الخاص بتقسيم فلسطين.معظمنا يعرف هيكل (باشا)، صاحب رواية زينب، الرواية العربية الأولى المكتملة فنيًّا ودراميًّا، وإن لم تكن الأولى تاريخيًّا، والتى أصدرها وهو شاب- سنة 1914 - هو أيضًا الليبرالى، صاحب كتاب «جان جاك روسو» في جزءين، وهو من أهم ما كُتب عن روسو قاطبة، لذا شاهدت صورة ضخمة لهيكل في مدخل متحف روسو في مدينة جنيف، وهو كذلك صاحب الدراسات المتميزة في مجال الإسلاميات، مثل «حياة محمد».. «فى منزل الوحى».. «الفاروق عمر» وغيرها.لكن تاريخ حسين هيكل السياسى جرى تجاهله مع الكثير من تاريخنا، خاصة في السنوات الأخيرة من العصر الملكى برموزه وأحداثه.كان هيكل رئيس حزب الأحرار الدستوريين حين قامت ثورة يوليو 52، وترأس مجلس الشيوخ، وتولى وزارة المعارف، وفى سنة 1947، اختاره رئيس الوزراء، محمود فهمى النقراشى، كى يترأس وفد مصر في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة قضية فلسطين، خاصة أن لجنة شكلتها الجمعية لدراسة الملف، انتهت إلى التوصية بتقسيم فلسطين إلى ثلاثة أقسام، قسم لليهود بنسبة 55 % من مساحة فلسطين، ويضم الساحل، بما فيه عكا وحيفا، ويترك للعرب يافا فقط على الساحل، أما القدس فتخضع لإدارة دولية.انزعجت الدول العربية، واحتشدت في الأمم المتحدة للدفاع عن عروبة فلسطين. العراق أرسل نورى السعيد على رأس الوفد، صاحب السمو الملكى الأمير فيصل بن عبدالعزيز ترأس وفد المملكة السعودية، مصر باتفاق الملك فاروق ورئيس الوزراء تكلف هيكل، وهو يومها رئيس الاتحاد الدولى للبرلمان، صاحب صلات دولية عتيدة، فضلًا عن أنه كان رئيسًا لتحرير جريدة السياسة الأسبوعية فترة طويلة، وله صلات جيدة بالصحافة الغربية، وكان محمود فوزى، وزير الخارجية الأشهر في زمن عبدالناصر، عضوًا بالوفد.نشطت الوفود العربية، ونشط وفد باكستان تحديدًا، وكان رئيسه، ظفرالله خان، من أشد المدافعين عن عروبة فلسطين، لديه إلمام واسع بتاريخ فلسطين وتفاصيل ما جرى فيها من بريطانيا والمنظمات الصهيونية، لكن صدمهم جميعًا الرئيس الأمريكى ترومان، الذي أعلن في كلمته بالجلسة الافتتاحية لاجتماعات المنظمة الدولية تأييده وتأييد بلاده مشروع التقسيم، بما أضفى حالة من التشاؤم على المشاركين العرب، حاول وزير الخارجية الأمريكى تخفيف صدمة رؤساء الوفود العربية بالقول إنهم مازالوا يفكرون، ودعاهم إلى جلسة عشاء، واستمع منهم إلى أسباب اعتراضهم على فكرة التقسيم، وأثبتت الأيام صحة مخاوفهم وتوقعاتهم، الأمير فيصل وكذا نورى السعيد قررا أن القرار سيشعل حربًا دائمة في المنطقة، د. هيكل أضاف أن التقسيم سوف يشعل أجواء العصور الوسطى والحروب الدينية مجددًا في المنطقة، وذكّر الأمريكيين بالحروب الصليبية، التي دارت معظمها في فلسطين، حول القدس، خاصة أن إسرائيل تتأسس وفق تصور دينى.وسط هذا كله، شرح رئيس وفد الإكوادور، لرئيس الوفد المصرى، وكانا صديقين، صعوبة الموقف العربى، واقترح عليه أن يقدموا مشروع قرار خاص بهم، وليكن قرار الفيدرالية في فلسطين، على غرار سويسرا.كان هناك مشروع وحيد مقدم، وهو التقسيم. قبلها بشهور، كان قرار مماثل قد صدر بخصوص تقسيم الهند، وتم تنفيذه بدماء غزيرة، في العادة إذا كان هناك مشروع واحد يتم غالبًا إقراره، حتى لو تعددت جولات التصويت، أما إذا كان هناك أكثر من مشروع يمكن التوفيق بينها، وربما تأجيل التصويت على أي منها، وإذا حدث ذلك يكون العرب قد كسبوا بعض الوقت حتى يتدبروا الأمر، طرح رئيس الوفد المصرى الاقتراح على عدد من رؤساء الوفود العربية، وتحدثوا مع ممثل فلسطين، «جمال بك الحسينى»، وكانت الأمم المتحدة قد دعته إلى الحديث عن فلسطين، كما دعت د. حاييم وايزمان، وكان كهلًا، إلى الحديث عن اليهود.كان الاقتراح خارج دائرة تكليف واختصاص رؤساء الوفود العربية، ولم يكن يحق لأى وفد عربى أن يتقدم بمشروع باسم فلسطين، وما كان الفلسطينيون يقبلون بذلك.رئيس الوفد المصرى كان متابعًا جيدًا للقضية منذ صدور وعد بلفور، ولديه الكثير من الخبايا. قبل الاجتماعات الأممية، أصدرت سلسلة اقرأ التابعة لدار المعارف كتاب «قضية فلسطين» للمؤرخ المصرى المعروف «محمد رفعت بك»، في أغسطس من السنة نفسها، وبه متابعة القضية بالتفصيل منذ نهاية القرن التاسع عشر، وأنهاه باحتمالات أربعة لمسار القضية.كان مشروع التقسيم أحدها، لكن لم يكن بمقدور غير الفلسطينى أن يأخذ بأى اقتراح، لذا اقتصر دور العرب على رفض قرار التقسيم، ومحاولة تعطيل إصداره، لكن أمام نصيحة الصديق الإكوادورى، وضعوا الأمر أمام صاحب الحق الأصيل، لذا طلبوا من «جمال» أن يسافر فورًا إلى بيروت، ويجتمع بالحاج أمين الحسينى في أي مكان، ويعرض عليه الأمر، ويعود منه باقتراح مشروع فلسطينى مقابل مشروع التقسيم، رفض جمال الحسينى قائلًا إن ذلك يُعرضه للاتهام بالخيانة، وقد يُقتل.وهكذا مر قرار التقسيم بضغوط الرئيس الأمريكى شخصيًّا، كان رئيس وفد الفلبين- كما يذكر هيكل- مدافعًا قويًّا عن فلسطين، فاتصل الرئيس الأمريكى برئيس الفلبين، مهددًا، مما ألزم رئيس الوفد الفلبينى الصمت المطبق، وحدث شىء مشابه من ترومان مع عدة دول أخرى، (من ترومان إلى جو بايدن لا فارق)، ومر القرار دون أغلبية، لكن عدد الموافقين (33) تجاوز ضعف عدد الرافضين (13)، فاعتُبر صحيحًا.من الدول التي صوتت بالاعتراض، إلى جوار الدول العربية وكذا الإسلامية، الهند واليونان، ومن الدول التي وافقت الصين والاتحاد السوفيتى، وامتنعت بريطانيا عن التصويت وكذا إثيوبيا.هذه التفاصيل كلها ليست بكاء على لبن سُكب مرات عديدة في تاريخنا، ولا هي من باب التبكيت التاريخى، ولا حتى من باب التساؤل الوجودى: «ماذا.. لو؟»، لكنها تفاصيل ترتبط باللحظة الراهنة في فلسطين، وقد تكون مفيدة.حرب الطوفان كشفت أن الجيش الإسرائيلى استهدف المدنيين فقط، لم يكن يستهدف قادة حماس، كما ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلى. هذه الحرب هي أقل المواجهات استهدافًا لقادة حماس، لكنها ركزت على المواطنين المدنيين، الذين لم يشاركوا في عملية الطوفان، ولا تمت استشارتهم فيها من قبل ولا أخذ رأيهم فيها، ولا مَسَّ أحدهم إسرائيليًّا بأذى، مدنيًّا كان أو عسكريًّا، المؤكد أنهم فوجئوا بها مثل كثيرين، ومع ذلك قُتل منهم أكثر من 14 ألفًا، معظمهم أطفال ونساء وشيوخ، والمصابون أكثر من ضعف هذا الرقم، أي أننا إزاء قرابة 50 ألفًا ما بين شهيد وجريح، ناهيك عن مئات الآلاف من المشردين خارج بيوتهم، وهناك تدمير كامل للبنية الأساسية في غزة من مدارس ومستشفيات وغيرها، إنه شىء أقرب إلى ما وقع في هيروشيما ونجازاكى باليابان ومدينة درسدوف الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، ذلك هو تاريخ الغرب في الحروب والصراعات، لا يُحدثنا أحد عن حقوق الإنسان وعن حرمة حياة المدنيين، تذكروا دائمًا مقتل نصف مليون عراقى في مطلع هذا القرن.ومع ذلك، هناك في الجانب العربى بعض الممتعضين من الهدنة، التي بدأت صباح الجمعة الماضى، بجهود مصرية وقطرية حثيثة، جاءت الهدنة مطلبًا للفصائل الفلسطينية وكذا إسرائيل. أحد الكُتاب العرب اعتبر الهدنة خطأً وخطرًا، كاتب آخر يحتج بأنه لم يتم إطلاق «كل الأسرى العرب».القتال حتى «آخر مدنى فلسطينى» موقف مدمر، بل موقف صهيونى. إذا كانت مصر قد تصدّت لمخططات التهجير القسرى وتصفية القضية، فإن القتال إلى آخر مدنى فلسطينى تصفية أخرى لها، إنهاء للوجود الفلسطينى.المشكلة الآن ألّا يتكرر موقف جمال الحسينى مجددًا، وألّا تتكرر معركة الحاج أمين الحسينى مع راغب النشاشيبى سنة 1936، بما هدد بأن تتحول الثورة الفلسطينية الكبرى إلى ما يشبه الحرب الأهلية، ويذهب فريق إلى أن الوطن القومى لليهود أفضل له من الفريق الآخر (الفلسطينى)، يجب ألّا تذهب كل تضحيات الفلسطينيين هذه المرة هباء، وتكون وقودًا لخلافات الفصائل والسلطة.هل نجد مشروعًا وطنيًّا فلسطينيًّا معلنًا يجتمع حوله الكل الفلسطينى، ويكون له رمز وطنى ودولى كبير ومسموع، مثل سعد زغلول في مصر وغاندى في الهند ومانديلا في جنوب إفريقيا وبن بلة في الجزائر؟

أما بعد حلمي النمنم

كل حروبنا مع إسرائيل، بغض النظر عن نتيجتها العسكرية، كانت تنتهى إلى حروب أهلية داخلية، عربية-عربية حينًا وحروب داخل كل بلد أو قطر، ليست بالضرورة حروبًا عسكرية، ولكن سياسية وثقافية في المقام الأول، وأظن أن تلك هي النكبة الحقيقية.وارد أن يُهزم أي جيش في معركة ما، الجيش الأمريكى هُزم في فيتنام، الجيش السوفيتى هُزم في أفغانستان، واضطر إلى الانسحاب تلقائيًّا، دونما اتفاق أو تفاوض مع الطرف الآخر.الهزيمة في حرب ١٩٤٨ كانت شبه يقينية لدى فريق من المطلعين على الأمور جيدا، لذا رفضوا دخولها في البداية، مثل النقراشى وإسماعيل صدقى باشا، بل حتى قيادات الوفد، كانت الزعامات المصرية على دراية كاملة بالقضية الفلسطينية منذ أحداث البراق سنة ١٩٢٩، وكانوا على تواصل بالقيادات الفلسطينية سواء جناح الحاج أمين الحسينى أو الجناح المناوئ له، جناح «النشاشيبى».محمد فراج طايع، أول وزير خارجية في عهد اللواء محمد نجيب، نشر مذكراته في مطلع الستينيات وفيها هجوم شديد على الحكام العرب سنة ٤٨، الذين تجاهلوا رأى دبلوماسييهم في القدس بخطورة الوضع في فلسطين والتحذير من دخول الحرب، كان الوزير «طايع» أحد هؤلاء، حيث كان بالقنصلية المصرية في القدس وقتها، كان لديها نفس تقدير الموقف حربيًّا.إسرائيل كانت قائمة بالفعل وعلى الأرض قبل الحرب، وحتى قبل صدور قرار التقسيم بسنوات بعيدة، «تل أبيب» العاصمة بُنيت منذ سنة ١٩٠٩، لديهم جيش قوى، مدرب ومسلح، عندهم جهاز مخابرات نشط منذ نهاية العشرينيات، لديهم إذاعة وصحف، فضلًا عن سائر مؤسسات الدولة، كان ينقصها فقط الإشهار ورفع العَلَم والحصول على الاعتراف الأممى.لكن ما إن انتهت الحرب، حتى نسى الجميع «الكيان الصهيونى»، وتجاهلوا «إسرائيل المزعومة»، أكثر من ذلك تجاهلوا مستقبل فلسطين ومصير شعبها، وتفرغوا لحروب أهلية، افتتحها الراحل إحسان عبدالقدوس بحملته الشهيرة حول ما سماه «الأسلحة الفاسدة»، وهلّل الجميع للحملة نكاية في الملك فاروق، الذي صار أشبه بلوحة التنشين في ساحة التدريب على إطلاق الرصاص، ليس داخل مصر فقط.كتاب الصحفى الإسرائيلى رون بيرجمان «اقتل أولًا»، صدر سنة ٢٠١٨، الكتاب عن التاريخ الدموى لجهاز الموساد، حتى قبل قيام الدولة، وأنه جهاز يفضل القتل، حتى لو لم تكن هناك ضرورة لذلك، ورد فيه أن «بن جوريون» تصور مشكلة إسرائيل في الحكام العرب الذين دخلوا الحرب مع إسرائيل، لذا قرر قتلهم جميعًا، حتى مَن كان لا يمانع في الصلح والسلام مع إسرائيل، مثل الزعيم اللبنانى رياض الصلح، على هذا الأساس وصلت خلية من الموساد إلى القاهرة بهدف واحد، هو اغتيال مَن أعلن الحرب على إسرائيل الملك فاروق، ولما أطاح به محمد نجيب، وغادر مصر يوم ٢٦ يوليو ٥٢، تم تعديل الخطة، اكتشف بن جوريون أن الحكام الجدد أكثر رفضًا له من النظام الملكى، كُلفت مجموعة الموساد بالعمل في الداخل، والاستعانة باليهود المحليين، وقامت الخلية بتنفيذ العملية «سوزانا»، التي عُرفت إعلاميًّا باسم «فضيحة لافون»، حيث تم الكشف عنها، وأُلقى القبض عليهم جميعًا.لم يقتصر الأمر على الملك فاروق، جرى تبادل الاتهامات والطعن في الوطنية إلى النخب الثقافية، اتهم لطفى السيد وطه حسين، مازالت الاتهامات قائمة إلى اليوم، لفقت الصحافة العربية اتهامات للفنانة ليلى مراد بالتبرع ماليًّا لدولة إسرائيل، ثم انتقل الاتهام ونُشر في بعض الصحف المصرية التي برعت في إضافة البهارات إليه، ولما اتسعت مساحة الاتهامات قامت القوات المسلحة بالتحقيق في كل ما قيل، وتبينت براءة ليلى مراد وعُرفت الحقيقة، لكن بعد انكسار روح الفنانة المصرية العظيمة.خارج مصر، جرى اتهام ملك الأردن، عبدالله الأول، وتم اغتياله عند باب المسجد الأقصى يوم ٢٠ يوليو ١٩٥١، وتحققت أمنية بن جوريون، ولأن طاحونة التخوين والاتهامات لم تتوقف، جرى اتهام الفلسطينيين بأنهم هم مَن باعوا الأرض والوطن لليهود، لم يتردد بعض الحمقى في اتهام شعب بأكمله بالخيانة، ورد فريق من الفلسطينيين بأن فلسطين ضاعت بسبب خيانة العرب، خاصة الحكام، وأنهم كانوا قادرين من البداية على إنهاء الوجود الإسرائيلى على أرضهم، لكن «الحكام العرب» كانوا يتدخلون لمنعهم، سرديات كاملة من التخوين وأبشع الاتهامات نحو الجميع وفى كل الاتجاهات، لا تزال أصداؤها بيننا إلى اليوم.وهكذا حروب أهلية على كافة المستويات، دون الالتفات إلى الضفة الأخرى من النهر. وزعم كل فريق أنه كان بصدد القضاء على الكيان لولا أن خصومه السياسيين منعوه، وكانوا في ذلك بين مُدَّعٍ أو كاذب أو مُغَيَّب عن الحقيقة.تم التحقيق في قضية الأسلحة الفاسدة زمن الملك، ثم زمن محمد نجيب، وثبت في المرتين زيفها، لكن أحدًا لم يجرؤ على أن يرفع صوته خشية أن يُتهم بالدفاع عن «الملك الخائن» أو أن يقر بقوة «الكيان الصهيونى»، وهكذا الحال في سائر الأقوال- الاتهامات والأحكام- الأخرى.حين كان «على صبرى»، وزير دولة برئاسة الجمهورية بعث خطابًا إلى إحسان عبدالقدوس يلفت انتباهه بلطف إلى أن مسألة الأسلحة الفاسدة ليست صحيحة، فغضب إحسان بشدة من الخطاب وصاحبه.ما حدث بعد حرب ٤٨ تكرر مع كل حرب من «العدوان الثلاثى» سنة ٥٦ إلى حرب أكتوبر، لا فارق بين هزيمة أو نصر. انتصرنا في ٥٦ وفى ٧٣، في حرب الاستنزاف لم نُهزم ولم نحقق نصرًا كبيرًا، أثبت الجيش المصرى أنه لم ينتهِ مع هزيمة ٦٧، بل أُعيد بناؤه، وصار قادرًا على المواجهة وندًّا قويًّا، في حرب أكتوبر كان نصرنا كبيرًا وعظيمًا.بعض محاضر اجتماعات الرئيس عبدالناصر بعد هزيمة يونيو ٦٧، ثم أثناء حرب الاستنزاف العظيمة، تكشف معاناة الرجل من تلك الحالة عربيًّا وداخل مصر.في أكتوبر ٧٣، حققت القوات المسلحة المصرية إنجازًا ضخمًا يوم السادس من أكتوبر، لكن الحروب الأهلية نشبت أثناء الحرب وبعدها، حتى إن كاتبًا كبيرًا أصدر كتابًا اعتبر الحرب مسرحية مدبرة بين السادات وجولدا مائير برعاية هنرى كيسنجر.في كل مرة تطغى الخلافات السياسية والأيديولوجية، تسود الصراعات والإحَن أو الأحقاد الخاصة، وربما بعض المطامح والتطلعات الشخصية الصغيرة، فضلًا عن الولع بالمكايدات الشخصية والسياسية.ومنذ حرب السابع من أكتوبر الماضى، ونحن نتابع شرر الحروب الأهلية العربية، الحرب لا تزال قائمة، وفيما يبدو أنها لن تتوقف قريبًا، وقد تصبح حرب استنزاف، يوم اندلاعها أثار إعلام مكايدة الدولة المصرية مسألة أن مصر كانت على علم مسبق بالعملية، وأنها نبهت إسرائيل وأحاطت حكومتها علمًا، وهذا يعنى- بين السطور- اتهام الدولة بالتعاون والتنسيق التام مع إسرائيل ضد الفلسطينيين، على مستوى الشارع المصرى والعربى هو اتهام بالخيانة، لكن هذا الاتهام يعنى عمليًّا اتهام الحكومة الإسرائيلية أمام شعبها بالتقصير والخيانة، لذا رد بنيامين نتنياهو في بيان حمل تكذيبًا حادًّا وقاطعًا، الغريب أن مَن روجوا تلك الأكذوبة خرسوا تمامًا أمام تكذيب نتنياهو، وهم عادة لا يأبهون بأى تكذيب. ثم هبّت علينا ميليشيات افتحوا الحدود أمام إخوتنا، ونجحت الدبلوماسية المصرية في إثبات «صهيونية» هذا المطلب أو الطرح.ورغم أن الدماء لا تزال تتدفق في غزة والضفة أيضًا، ورغم أن أداء الدولة المصرية في مستوى رفيع من الوطنية وحماية الحق المصرى وكذا الحق الفلسطينى، فإن أبواق المزايدة والكيد الرخيص لم تتوقف، ليس على المستوى المصرى فقط، لكنها ممتدة في كل ناحية. ألسنة الحروب الأهلية تبدو في كل بقعة حولنا وبيننا.يومًا ما، نرجوه قريبًا، ستتراجع المذابح، فهل نتفرغ وننساق إلى الحروب الأهلية سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفنيًّا واقتصاديًّا، ونتجاهل الطرف الآخر كما في كل مرة أم نتجه إلى المستقبل لاستكمال المشروع الوطنى المصرى والحفاظ عليه؟.لقد أكدت الأحداث الأخيرة أن المشروع الوطنى ليس حذلقة سياسية ولا وجاهة فكرية، كما يتراءى للبعض، بل هو ضرورة وجودية، كما أنها وجوبية.ومن ضرورات المشروع الوطنى المصرى العمل على إقامة دولة فلسطينية، مستقلة، معترف بها أمميًّا، تتجمد بقيامها بحيرات الدم، وتزول الروح العنصرية المقيتة، وتتراجع دوافع الإرهاب، أيًّا كان مصدره ومَن يرتكبه وأيًّا كان اسمه وشكله أو اللافتة التي يختبئ خلفها.

أما بعد حلمي النمنم

كل حروبنا مع إسرائيل، بغض النظر عن نتيجتها العسكرية، كانت تنتهى إلى حروب أهلية داخلية، عربية-عربية حينًا وحروب داخل كل بلد أو قطر، ليست بالضرورة حروبًا عسكرية، ولكن سياسية وثقافية في المقام الأول، وأظن أن تلك هي النكبة الحقيقية.وارد أن يُهزم أي جيش في معركة ما، الجيش الأمريكى هُزم في فيتنام، الجيش السوفيتى هُزم في أفغانستان، واضطر إلى الانسحاب تلقائيًّا، دونما اتفاق أو تفاوض مع الطرف الآخر.الهزيمة في حرب ١٩٤٨ كانت شبه يقينية لدى فريق من المطلعين على الأمور جيدا، لذا رفضوا دخولها في البداية، مثل النقراشى وإسماعيل صدقى باشا، بل حتى قيادات الوفد، كانت الزعامات المصرية على دراية كاملة بالقضية الفلسطينية منذ أحداث البراق سنة ١٩٢٩، وكانوا على تواصل بالقيادات الفلسطينية سواء جناح الحاج أمين الحسينى أو الجناح المناوئ له، جناح «النشاشيبى».محمد فراج طايع، أول وزير خارجية في عهد اللواء محمد نجيب، نشر مذكراته في مطلع الستينيات وفيها هجوم شديد على الحكام العرب سنة ٤٨، الذين تجاهلوا رأى دبلوماسييهم في القدس بخطورة الوضع في فلسطين والتحذير من دخول الحرب، كان الوزير «طايع» أحد هؤلاء، حيث كان بالقنصلية المصرية في القدس وقتها، كان لديها نفس تقدير الموقف حربيًّا.إسرائيل كانت قائمة بالفعل وعلى الأرض قبل الحرب، وحتى قبل صدور قرار التقسيم بسنوات بعيدة، «تل أبيب» العاصمة بُنيت منذ سنة ١٩٠٩، لديهم جيش قوى، مدرب ومسلح، عندهم جهاز مخابرات نشط منذ نهاية العشرينيات، لديهم إذاعة وصحف، فضلًا عن سائر مؤسسات الدولة، كان ينقصها فقط الإشهار ورفع العَلَم والحصول على الاعتراف الأممى.لكن ما إن انتهت الحرب، حتى نسى الجميع «الكيان الصهيونى»، وتجاهلوا «إسرائيل المزعومة»، أكثر من ذلك تجاهلوا مستقبل فلسطين ومصير شعبها، وتفرغوا لحروب أهلية، افتتحها الراحل إحسان عبدالقدوس بحملته الشهيرة حول ما سماه «الأسلحة الفاسدة»، وهلّل الجميع للحملة نكاية في الملك فاروق، الذي صار أشبه بلوحة التنشين في ساحة التدريب على إطلاق الرصاص، ليس داخل مصر فقط.كتاب الصحفى الإسرائيلى رون بيرجمان «اقتل أولًا»، صدر سنة ٢٠١٨، الكتاب عن التاريخ الدموى لجهاز الموساد، حتى قبل قيام الدولة، وأنه جهاز يفضل القتل، حتى لو لم تكن هناك ضرورة لذلك، ورد فيه أن «بن جوريون» تصور مشكلة إسرائيل في الحكام العرب الذين دخلوا الحرب مع إسرائيل، لذا قرر قتلهم جميعًا، حتى مَن كان لا يمانع في الصلح والسلام مع إسرائيل، مثل الزعيم اللبنانى رياض الصلح، على هذا الأساس وصلت خلية من الموساد إلى القاهرة بهدف واحد، هو اغتيال مَن أعلن الحرب على إسرائيل الملك فاروق، ولما أطاح به محمد نجيب، وغادر مصر يوم ٢٦ يوليو ٥٢، تم تعديل الخطة، اكتشف بن جوريون أن الحكام الجدد أكثر رفضًا له من النظام الملكى، كُلفت مجموعة الموساد بالعمل في الداخل، والاستعانة باليهود المحليين، وقامت الخلية بتنفيذ العملية «سوزانا»، التي عُرفت إعلاميًّا باسم «فضيحة لافون»، حيث تم الكشف عنها، وأُلقى القبض عليهم جميعًا.لم يقتصر الأمر على الملك فاروق، جرى تبادل الاتهامات والطعن في الوطنية إلى النخب الثقافية، اتهم لطفى السيد وطه حسين، مازالت الاتهامات قائمة إلى اليوم، لفقت الصحافة العربية اتهامات للفنانة ليلى مراد بالتبرع ماليًّا لدولة إسرائيل، ثم انتقل الاتهام ونُشر في بعض الصحف المصرية التي برعت في إضافة البهارات إليه، ولما اتسعت مساحة الاتهامات قامت القوات المسلحة بالتحقيق في كل ما قيل، وتبينت براءة ليلى مراد وعُرفت الحقيقة، لكن بعد انكسار روح الفنانة المصرية العظيمة.خارج مصر، جرى اتهام ملك الأردن، عبدالله الأول، وتم اغتياله عند باب المسجد الأقصى يوم ٢٠ يوليو ١٩٥١، وتحققت أمنية بن جوريون، ولأن طاحونة التخوين والاتهامات لم تتوقف، جرى اتهام الفلسطينيين بأنهم هم مَن باعوا الأرض والوطن لليهود، لم يتردد بعض الحمقى في اتهام شعب بأكمله بالخيانة، ورد فريق من الفلسطينيين بأن فلسطين ضاعت بسبب خيانة العرب، خاصة الحكام، وأنهم كانوا قادرين من البداية على إنهاء الوجود الإسرائيلى على أرضهم، لكن «الحكام العرب» كانوا يتدخلون لمنعهم، سرديات كاملة من التخوين وأبشع الاتهامات نحو الجميع وفى كل الاتجاهات، لا تزال أصداؤها بيننا إلى اليوم.وهكذا حروب أهلية على كافة المستويات، دون الالتفات إلى الضفة الأخرى من النهر. وزعم كل فريق أنه كان بصدد القضاء على الكيان لولا أن خصومه السياسيين منعوه، وكانوا في ذلك بين مُدَّعٍ أو كاذب أو مُغَيَّب عن الحقيقة.تم التحقيق في قضية الأسلحة الفاسدة زمن الملك، ثم زمن محمد نجيب، وثبت في المرتين زيفها، لكن أحدًا لم يجرؤ على أن يرفع صوته خشية أن يُتهم بالدفاع عن «الملك الخائن» أو أن يقر بقوة «الكيان الصهيونى»، وهكذا الحال في سائر الأقوال- الاتهامات والأحكام- الأخرى.حين كان «على صبرى»، وزير دولة برئاسة الجمهورية بعث خطابًا إلى إحسان عبدالقدوس يلفت انتباهه بلطف إلى أن مسألة الأسلحة الفاسدة ليست صحيحة، فغضب إحسان بشدة من الخطاب وصاحبه.حدث بعد حرب ٤٨ تكرر مع كل حرب من «العدوان الثلاثى» سنة ٥٦ إلى حرب أكتوبر، لا فارق بين هزيمة أو نصر. انتصرنا في ٥٦ وفى ٧٣، في حرب الاستنزاف لم نُهزم ولم نحقق نصرًا كبيرًا، أثبت الجيش المصرى أنه لم ينتهِ مع هزيمة ٦٧، بل أُعيد بناؤه، وصار قادرًا على المواجهة وندًّا قويًّا، في حرب أكتوبر كان نصرنا كبيرًا وعظيمًا.بعض محاضر اجتماعات الرئيس عبدالناصر بعد هزيمة يونيو ٦٧، ثم أثناء حرب الاستنزاف العظيمة، تكشف معاناة الرجل من تلك الحالة عربيًّا وداخل مصر.في أكتوبر ٧٣، حققت القوات المسلحة المصرية إنجازًا ضخمًا يوم السادس من أكتوبر، لكن الحروب الأهلية نشبت أثناء الحرب وبعدها، حتى إن كاتبًا كبيرًا أصدر كتابًا اعتبر الحرب مسرحية مدبرة بين السادات وجولدا مائير برعاية هنرى كيسنجر.في كل مرة تطغى الخلافات السياسية والأيديولوجية، تسود الصراعات والإحَن أو الأحقاد الخاصة، وربما بعض المطامح والتطلعات الشخصية الصغيرة، فضلًا عن الولع بالمكايدات الشخصية والسياسية.ومنذ حرب السابع من أكتوبر الماضى، ونحن نتابع شرر الحروب الأهلية العربية، الحرب لا تزال قائمة، وفيما يبدو أنها لن تتوقف قريبًا، وقد تصبح حرب استنزاف، يوم اندلاعها أثار إعلام مكايدة الدولة المصرية مسألة أن مصر كانت على علم مسبق بالعملية، وأنها نبهت إسرائيل وأحاطت حكومتها علمًا، وهذا يعنى- بين السطور- اتهام الدولة بالتعاون والتنسيق التام مع إسرائيل ضد الفلسطينيين، على مستوى الشارع المصرى والعربى هو اتهام بالخيانة، لكن هذا الاتهام يعنى عمليًّا اتهام الحكومة الإسرائيلية أمام شعبها بالتقصير والخيانة، لذا رد بنيامين نتنياهو في بيان حمل تكذيبًا حادًّا وقاطعًا، الغريب أن مَن روجوا تلك الأكذوبة خرسوا تمامًا أمام تكذيب نتنياهو، وهم عادة لا يأبهون بأى تكذيب. ثم هبّت علينا ميليشيات افتحوا الحدود أمام إخوتنا، ونجحت الدبلوماسية المصرية في إثبات «صهيونية» هذا المطلب أو الطرح.ورغم أن الدماء لا تزال تتدفق في غزة والضفة أيضًا، ورغم أن أداء الدولة المصرية في مستوى رفيع من الوطنية وحماية الحق المصرى وكذا الحق الفلسطينى، فإن أبواق المزايدة والكيد الرخيص لم تتوقف، ليس على المستوى المصرى فقط، لكنها ممتدة في كل ناحية. ألسنة الحروب الأهلية تبدو في كل بقعة حولنا وبيننا.يومًا ما، نرجوه قريبًا، ستتراجع المذابح، فهل نتفرغ وننساق إلى الحروب الأهلية سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفنيًّا واقتصاديًّا، ونتجاهل الطرف الآخر كما في كل مرة أم نتجه إلى المستقبل لاستكمال المشروع الوطنى المصرى والحفاظ عليه؟.لقد أكدت الأحداث الأخيرة أن المشروع الوطنى ليس حذلقة سياسية ولا وجاهة فكرية، كما يتراءى للبعض، بل هو ضرورة وجودية، كما أنها وجوبية.ومن ضرورات المشروع الوطنى المصرى العمل على إقامة دولة فلسطينية، مستقلة، معترف بها أمميًّا، تتجمد بقيامها بحيرات الدم، وتزول الروح العنصرية المقيتة، وتتراجع دوافع الإرهاب، أيًّا كان مصدره ومَن يرتكبه وأيًّا كان اسمه وشكله أو اللافتة التي يختبئ خلفها.

فلسطين ليست الأندلس حلمي النمنم

اختفت الأندلس من الواقع الإنسانى والسياسى والاجتماعى.. لم يختفِ الاسم فقط، بل اختفى وزال كل شىء، بقى منها بعض الأطلال وبعض المشاهد للذكرى فقط، ولدينا التراث الأدبى والثقافى الأندلسى الذي يذكّرنا بفداحة الخسارة الإنسانية.حين هُزم الجيش العربى أمام جيش فرديناندو وإيزابيلا، بقيت الأندلس.. وحتى حين وقّع آخر الأمراء معاهدة الصلح وغادر بلاده، كان هناك المجتمع والثقافة الأندلسية العظيمة.. حدث الزوال مع التهجير القسرى أو الطرد الجماعى لسكانها.في البداية، فُرض عليهم تغيير دينهم، لكن بقيت ثقافتهم وبقى وجودهم الحضارى.. هنا نشأت محاكم التفتيش لتتتبعهم، وصل الأمر إلى أن من كان يرتدى ملابس بيضاء يوم الجمعة يُتهم ويحاكم.. أخيرا كان القرار المفزع بإجبارهم على مغادرة البلاد نهائيا.. هناك من ذهبوا إلى المغرب وإلى الجزائر وتونس، احتفظوا بتسمية «الموريسكيين»، وهناك من جاءوا إلى مصر بأعداد كبيرة، كانوا مسلمين وكانوا يهودا.الطرد كان من نصيب الاثنين معًا، أحسنَ المصريون استقبالهم فعاشوا واندمجوا، ذابوا وسط المصريين، تمصروا تماما، من هؤلاء كان «أبوالعباس المرسى»، المتصوف الذي أحبه أهل الإسكندرية، وصار من رموزها وأعلامها إلى اليوم. أصدرت عنه مؤخرا الروائية الموهوبة ريم بسيونى روايتها «ماريو وأبوالعباس».ربما كان حظ أهل الأندلس الذين وفدوا إلى مصر أفضل من أولئك الذين ذهبوا إلى بلاد أخرى، خاصةً جنوب فرنسا أو العالم الجديد.. في بعض البلدان قُبض عليهم وعرضوا في أسواق العبيد.. في النهاية، ذابت الأندلس واختفت باختفاء أهلها. أذيب شعبٌ بأكمله واختفى من الوجود، ربما كان ذلك واردًا في العصور القديمة والوسطى ومطلع العصر الحديث.ويبدو أن هناك إصرارًا غربيًا بريطانيًا وأمريكيًا وإسرائيليًا، في المقام الأول، على تكرار النمط نفسه في فلسطين، لكن عبر خطوات ومراحل وأجيال.في العام ١٩٤٧، صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم القارة الهندية إلى دولتين هما: الهند وباكستان، على أن تضم باكستان المسلمين، وتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة لليهود وأخرى للعرب. وكانت بريطانيا تحتل الهند وتحتل فلسطين أو صاحبة الانتداب عليها، كانت بريطانيا قد بدأت في تصفية بعض مستعمراتها عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث أفلت شمسها وتقدمت الولايات المتحدة.. في حالة الهند، حرصت بريطانيا على أن يتم إعلان قيام واستقلال الهند وباكستان قبل أن تخرج من هناك، ورسمت الحدود بين الدولتين بإقناع قيادات ورموز كل جانب من الإمبراطورية، وتم توزيع السكان في بعض مناطق التماس.. طبعا، وقعت مآسٍ ومجازر مع تلك الحركة، لكن في النهاية هناك دولتان معترف بهما، وإنْ عُلِّقت بعض مشاكل الحدود، مثل تلك التي نراها في مناطق عديدة حول العالم.في فلسطين، فعلت بريطانيا العكس، قررت الانسحاب من فلسطين نهائيًا قبل منتصف مايو سنة ١٩٤٨، خرجت بريطانيا دون ترتيب الأوضاع، ودون تنفيذ قرار التقسيم، دون حتى إجراءات تسليم وتسلم... في مصر حين كانت بريطانيا تخرج من مدينة كانت تقوم بعملية تسليم للسلطات المحلية والحكومة الوطنية، فعلت ذلك بعد تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، ثم بعد معاهدة ١٩٣٦، وأخيرا بعد توقيع معاهدة الجلاء سنة ١٩٥٤.في فلسطين، يمكن القول إنهم هربوا وتركوا السكان أبناء الوطن وكذلك المهاجرون اليهود، كانت بريطانيا تعلم أن الأمور متفاقمة وستنفجر حتما في فلسطين، ويبدو أن ذلك ما كانوا يسعون إليه.نظريًا، تركت بريطانيا الفلسطينيين واليهود يواجهون بعضهم البعض، وأشاعوا وقتها أنهم لا يريدون التدخل بين العرب واليهود، يفضلون الحياد.عمليًا، كانت بريطانيا، منذ وعد وزير خارجيتها لورد بلفور سنة ١٩١٧ مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، تدعم بكل قوة ودهاء إقامة دولة إسرائيل وتستبعد إقامة وبناء دولة فلسطين.. منذ العشرينيات، كانت بريطانيا تدعم الهجرات اليهودية الكثيفة إلى فلسطين بذرائع إنسانية، ثم راحت تتحدث منذ سنة ١٩٣٦، قبل الهولوكوست عن تقسيم فلسطين.الآن، وصلنا إلى اللحظة الفاصلة تاريخيا؛ وهى تكرار ما حدث في الأندلس بإزاحة الفلسطينيين جميعًا من وطنهم وبلادهم.. بدأ السيناريو بمذابح وإبادة أكبر عدد منهم لترويع الآخرين.. والحق أن ما يقع اليوم ليس جديدًا. يتحدث بعض المعلقين باندهاش بالغ عن قتل الأطفال والنساء والمذابح في «غزة»، وماذا عن مذبحة دير ياسين وكفر قاسم سنة ١٩٤٨؟.. ماذا عن مقتل الطفل «محمد الدرة» قبل أكثر من عشرين عاما؟.. هل نسينا مقتل زميلتنا «شيرين أبوعاقلة» العام الماضى؟، ونحن في مصر، ألم نعش مذبحة مدرسة بحر البقر الابتدائية أثناء حرب الاستنزاف ونحن أطفال؟.. وقتها ألغت وزارة التربية «الفسحة الطويلة»، خوفا علينا من احتمال وقوع غارات إسرائيلية على المدارس أثناءها. لا أظن أن أبناء جيلى نسوا تلك الأيام.ليتنا ننفض عن ذاكرتنا غبار النسيان وأحاديث السلام المجانى ورومانسية التطبيع.المذابح والمجازر البشرية لم تنجح في دفع الفلسطينيين إلى المغادرة، وبتنا الآن أمام المرحلة الفاصلة وهى الطرد الجماعى أو التهجير القسرى.. الفكرة قديمة، بدأ الحديث عنها بعد حرب ٦٧، لكنها مطروحة للتنفيذ الآن، والهدف أن تستقبل تركيا عدة آلاف، وكذا بعض الدول الإسلامية والأوروبية، وأن تستوعب مصر أكبر عدد منهم، ليس هذا فقط، بل حددوا الشريط الحدودى في سيناء لبناء مخيمات لاجئين لأهل غزة.. مصريًّا، لا نقبل بوجود مخيمات ولا يليق بمصر العظيمة أن تقيم «جيتو» للأشقاء.. الثقافة المصرية الإنسانية لم تسمح يومًا بجيتو على أرضها، نعيش التواصل والانفتاح الإنسانى.. دعك الآن من محاولة العبث بالوطنية المصرية.عمومًا، الدولة المصرية رفضت ذلك قطعيا.. الرئيس عبدالفتاح السيسى أعلنها واضحة، قاطعة: رفض التهجير القسرى ورفض تصفية القضية الفلسطينية. الفلسطينيون أكدوا عبر كل المستويات أنهم لن يغادروا وطنهم، باقون حتى الموت، استوعبوا تجربة حرب ٤٨، الذين غادروا وقتها قيل لهم ثلاثة أيام على الأكثر، حتى تهدأ الأمور وتعودون.. لكن لم يسمح لهم بالعودة إلى يومنا هذا، وتقول إسرائيل إنها لن تسمح لهم ولن تقبل بهم، رغم وجود قرار من الأمم المتحدة بحقهم في العودة.يبدو أن احتفاء المصريين بالأشقاء من السودان والعراق وليبيا وسوريا أغرى بعض قصار النظر والفهم بأنه يمكن إزاحة ٢ مليون فلسطينى. يقولون إن لدى مصر أكثر من تسعة ملايين من الأشقاء.. وهذا صحيح.. لكن هؤلاء جميعًا ضيوف، وإقامتهم في مصر ليست بهدف القضاء على بلادهم وأوطانهم ولا بغرض تذويب وانقراض شعب بأكمله.ما يحدث في غزة وكل فلسطين منذ يوم السبت السابع من أكتوبر يثير بعض المغرمين بفكرة المؤامرة في كل اتجاه. صحيح أن هناك الكثير من المعلومات ليست واضحة، والعديد من التساؤلات بل الشكوك.. كل هذا مشروع.. المعلومات سوف تتكشف، والخفى سوف يظهر ويعلن، لكن القضية الكبرى الآن هي ألا نقبل بوجود أندلس أخرى.. فلسطين ليست الأندلس.. القدس ليست قرطبة.. ولا يصح أن نسمح بذلك وإلا فلا معنى للقانون الدولى ولا حقوق الإنسان ولا معنى للوطن وعصر الحريات والديمقراطية.هنا علينا أن نعمل بكل قوة لدعم صمود وبقاء الشعب الفلسطينى داخل فلسطين بتقديم كل ما هو ممكن.. وأثق بأن القمة العربية المقبلة في الرياض سوف تتخذ خطوات وقرارات في هذا الصدد.علينا كذلك أن نضغط بكل الوسائل المشروعة لإقامة دولة فلسطين، مستقلة وذات سيادة.. الضمان الأقوى لبقاء إسرائيل وأمنها هو وجود دولة فلسطين كاملة السيادة والاستقلال.

اللواء شوقي صلاح: بايدن يهدد أوروبا.. وبوتين يستعد لدخول كييف

أزمة لاجئي أوكرانيا هل تتحول لقنبلة موقوتة؟

     أعداد اللاجئين الأوكرانيين منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وفقا للبيانات الإحصائية الصادرة عن الأمم المتحدة، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، على النحو الآتي: 5834100 المسجلون في أوروبا، وعدد 369200 المسجلون خارج أوروبا (منهم ما يجاوز المائة ألف لاجئ في الولايات المتحدة الأمريكية). إضافة إلى عدد 5,088,000 نازحًا داخلياً في أوكرانيا، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة. وانتشرت تسريبات صحفية تشير إلى أن بايدن طالب قادة أوروبا بالمزيد من المساعدات العسكرية لأوكرانيا، مهددًا بأنه في حالة هزيمة أوكرانيا فإن على أوروبا الوضع في الاعتبار ما يمكن أن يرتكبه اللاجئون الأوكران من جرائم إرهابية ضد الدول الأوروبية كرد فعل لعدم وفائها بتقديم المساعدات اللازمة لمواجهة الجيش الروسي.. !!! ورغم أن رد الفعل هذا مستبعدًا وفقًا للمنطق العادي للأمور.. إلا أن الرئيس بايدن تجاهل أن العالم بأسره وفي مقدمتهم الشعب الأوكراني، موقن بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الرأس المدبر للزج بأوكرانيا في صراع مع الدولة الروسية، لذا فإن رد فعل الأوكران الذي هدد به بايدن أوروبا سيشمل المصالح الأمريكية بالطبع.. هذا بفرض أن تهديده تحقق على أرض الواقع.

الحرب الأوكرانية فخ أمريكي.. الطُعم فيه أوكرانيا:

    ويسعى الرئيس الأوكراني جاهدا ومنذ بدء الغزو الروسي لبلاده لإقحام الناتو في الصراع بشكل مباشر، فالأوكران أصبحوا الآن على يقين أن الناتو يتاجر بأرواحهم.. ويمنحهم السلاح بشق الأنفس، بل وأحياناً بأسلوب مذل.. رغم أن مصالح هذا الحلف في هزيمة روسيا تتجاوز ببعيد مصالح الدولة الأوكرانية، وإن كنت في موقع الشعب الأوكراني فمن حقي أن أتساءل: لماذا لا يمنحنا الناتو أغلى ما يملك من السلاح التقليدي؟ خاصة وأن المعركة معركتهم أيضًا ولا يجب أن تتحملها أوكرانيا وحدها بالوكالة.

وغني عن البيان أن أوروبا والولايات المتحدة تتلكأ في إرسال أسلحتها الأكثر تطورًا خشية انهيار الجيش الأوكراني واستيلاء القوات الروسية عليها.. كما أنهم يحرصون كل الحرص تجنب المواجهة المباشرة مع روسيا.. ولكن إلى متى سيستمر نزيف الخسائر الأوكراني؟؟؟

مشهد من أحداث القصف الروسي لكييف

الهجوم الروسي المضاد والتحرك لإسقاط كييف:

    صريح الرئيس بوتين منذ يومين؛ بأن أوكرانيا خسرت في هجومها المضاد الأخير أكثر من ٧١ ألفا من خيرة جنودها، هذا بجانب الخسائر الفادحة في العتاد والسلاح.. فإن صح هذا التصريح، فإنه من المرجح أن بوتين قد اعتمد خطة التحرك نحو كييف العاصمة، لحسم المرحلة الأولى من الحرب، وبعد سقوطها فسيستأنف الأوكران جهادهم من خلال حرب استنزاف تقوم بها ميليشيات أوكرانية.. وسيصبح التفاوض مع روسيا في هذه الحالة عسيرا جدا، وباختصار فإن الوقت في غير صالح الناتو.

ووفقا لتقديرنا للموقف الحالي فإن بوتين قاب قوسين أو أدنى من الانقضاض على كييف، وإن نجح فستحسم معركة الانتخابات الرئاسية في واشنطن لغير صالح بايدن، حال إصراره على الاستمرار في السباق الرئاسي، كما سيخسر الناتو الرهان على هزيمة روسيا.. وسيتفاوض بوتين مع القيادة الأوكرانية الجديدة بشروطه، وفي تقديري أنه لن يبالغ فيها.. حيث سيقدر الأمر وفق نظرة استراتيجية، فهو مازال يعتبر أوكرانيا جزءا من الدولة الروسية القديمة، وقد غرر بها الغرب.

تصاعد أسعار النفط ووحدة صف دول الناتو:

   هذا، وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة أسعار النفط عالميا، حيث وصل سعر البرميل لــ90 دولارا، وهذا التصاعد يهدد أوروبا بقوة خاصة مع دخول الشتاء، لذا فمن المتوقع حدوث انشقاقات بين دول أوروبا، وأهمها ألمانيا وفرنسا من ناحية، والولايات المتحدة من ناحية أخرى، وعلى أقل تقدير فإن العديد من دول أوروبا ستكسر الحظر المفروض على استيراد النفط والغار الروسي، وإن اقتضى الأمر فسيتم الحصول عليه بطرق غير مباشرة لحفظ ماء الوجه.

كامالا هاريس نائب الرئيس الأمريكي

انعكاسات الحرب الأوكرانية على السباق الرئاسي الأمريكي:

   وختامًا، تشهد الولايات المتحدة الأمريكية سباقا رئاسيا في 2024، يأمل بايدن أن يفوز فيه بفترة رئاسية ثانية، حيث سبق وأعلن رغبته في خوض الانتخابات، رغم أن مجلس النواب الأمريكي في سبيله لإجراء تحقيق رسمي بهدف عزله من منصبه، وصرح كيفين مكارثي رئيس المجلس، بأن التحقيق سيركز على اتهامات بإساءة استخدام السلطة المخولة للرئيس، وإعاقة العدالة، والفساد، لذا فإن الفترة المقبلة تعد فترة ريبة بالنسبة للقرارات التي يمكن أن يتخذها بايدن، والتي قد يشوبها تهور؛ باتخاذ قرارات استراتيجية قد تضر بالولايات المتحدة والعالم، خاصة وأن الرجل في حالة صحية صعبة.

لذا نرى أنه على كل من: وليام بيرنز مدير جهاز الـمخابرات المركزية الأمريكية، وجيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي، اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة لتأمين تصرفات الرئيس بما يتناسب مع المصالح العليا للولايات المتحدة الأمريكية.. هذا كما نرى أنه من المناسب إقناع الرئيس بتنحيه وتولي نائبته كامالا هاريس لمقاليد الرئاسة خلال الفترة القادمة لأسباب تتعلق بالحالة الصحية للرئيس، على أن يتوقف السير في إجراءات التحقيق الذي يهدف لعزله، باعتباره حلاً يتفق وخروج الرئيس بشكل لائق، كما تتحقق معه المصالح العليا للولايات المتحدة، وكذا يصب أيضاً هذا الحل في مصلحة الحزب الديمقراطي في اختيار الشخص المناسب لخوض السباق الرئاسي. 

لواء دكتور/ شوقي محمد صلاح

عضو هيئة التدريس بكلية الشرطة المصرية

خبير مكافحة الإرهاب ورئيس برنامج الدراسات الأمنية

بمركز الفارابي للدراسات والتدريب

الأرشيف