مركز الفارابي للدراسات السياسية والإستراتيجية

د . مختار غباشى: الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية تدخل مفهوم حماية البيئة الخضراء لمصر

تشهد العلاقات المصرية الصينية تطورًا كبيرًا فى السنوات الأخيرة لا سيما فى المجال الاقتصادى والمشرعات السكنية والبنية التحتية. هذا وتعد الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية (CSCEC)، التى تقوم بتنفيذ مشروع "منطقة الأعمال المركزية" (CBD) في العاصمة االجديدة، تعد من أكبر الشركات التي تضخ حيوية جديدة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر.

إن تنفيذ الشركة الصينية بقيادة رئيس مجلس الإدارة "CHANG WEICAI" لمشروعات كبيرة في مصر، يسهم بشكل كبير في توطين "تكنولوجيا البناء الصينية" في مصر، خاصة أن الشركة استخدمت تقنيات حديثة بدأ يكون لها مردود على سوق الإنشاءات في مصر.

منطقة الأعمال المركزية (CBD)

تتكون منطقة (CBD) من 20 برجًا سكنيًا وتجاريًا بما في ذلك البرج الأيقوني "أطول برج في إفريقيا"، الذي أصبح أعلى من برج القاهرة ، حيث يتكون البرج من 78 طابق ليصل ارتفاعه إلى 385 مترًا. تقدر استثمارات هذا المشروع بنحو 3 مليارات دولار، ويتم تنفيذها بالتعاون مع وزارة الإسكان ممثلة فى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

تماشيًا مع سياسة الدولة المصرية للحفاظ على البيئة وإنشاء مجتمعات خضراء صديقة للبيئة فى المدن الجديدة، التى تعد العاصمة الادارية في صدارة هذه المجتمعات، قامت الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية CSCEC بتلبية دعوة مصر لحماية البيئة الخضراء والحفاظ على الطاقة وخفض الإنبعاثات الكربونية، كما أدخلت مفهوم حماية البيئة الخضراء بكافة مخططات وتصميمات المشروع وأعمال بنائه، بل وساهمت بقوة لمواجهة تغير المناخ العالمي. لهذا فقد اتخذت مجموعة من الاجراءات أثناء عملية التخطيط للمشروع من أجل تجسيد المفاهيم المعمارية الصديقة للبيئة وتمثل ذلك في اختيار موقع العاصمة الإدارية الجديدة. لقد ظهر ذلك بوضوح فى اتخاذها لمجموعة من الاجراءات التالية أثناء عملية التخطيط للمشروع:

ثمان اجراءات نوعية

سعيًا لتنفيذ الطموحات والتوجهات الاستراتيجية للدولة المصرية، حرصت الشركة على اتخاذ مجموعة من الإجراءات النوعية كان في صدارتها ما يلي:

  1. تجسيد مفاهيم "الخضراء والصديقة للبيئة" في اختيار موقع العاصمة الإدارية الجديدة. ففي البداية، كان هناك خياران لموقع العاصمة الإدارية الجديدة، أحدهما منطقة الواحات شمال القاهرة، والأخرى "المنطقة الصحراوية" شرق القاهرة. في النهاية، وقع الاختيار على المنطقة الصحراوية التي تشغل أقل قدر من الأراضي الزراعية وهكذا نحصل على أقل قدر من الضرر البيئي. وكان هذا في حد ذاته بمثابة تطوير وحسن استغلال الأراضي الغير قابلة للاستخدام. وهو ما مثَّل إحترامًا كبيرًا لـ "الطبيعة".
  2. في تخطيط مشروع CBD، يبلغ فرق الإرتفاع بين الجانب الغربي للموقع الحالي والطريق البلدي من الجانب الشمالي حوالي 10 أمتار، وفرق الإرتفاع بين الجانب الشرقي والطريق العام من الجانب الشمالي حوالي 5 أمتار لذلك تم زيادة مساحة الطابق السفلي وارتفاعه خلال عملية التصميم بشكل متعمد، وذلك باستخدام الحجم الذي يشغله الطابق السفلي للحفاظ على توازن الأعمال الترابية في الموقع وتقليل تلوث وسائل النقل.
  3. ربط أعمال التخضير "النهر الأخضر" في الجهة الجنوبية لموقع المشروع لتكوين منطقة خضراء كبيرة وممتدة نسبياً، مما عمل على توفير بيئة جميلة وسط البيئة الطبيعية للمنطقة التي تُعد قاسية نسبيًا، وكذلك مكَّن من تعديل المناخ المحلي وتقليل الرمال والتلوث والغبار فضلاً عن تحسين جودة الهواء.
  4. إنشاء عدد كبير من الأماكن الترفيهية العامة، إلى جانب المناظر الطبيعية المبهجة، مما يشجع الناس إلى الخروج من غرفهم والمشاركة في الأنشطة العامة، وتقليل استخدام المساحات الداخلية، وتقليل استهلاك الطاقة، وتوجيههم لنمط حياة أكثر صحة.
  5. في نظام النقل، تم إنشاء نظام نقل عام مناسب لتوجيه وتشجيع استخدام "وسائل النقل العام"، وتقليل استخدام وسائل النقل الخاصة، وتقليل استهلاك الطاقة.
  6. توفير أنظمة مشاة مناسبة، ومناظر طبيعية خضراء، لتشجيع المزيد من الأفراد على المشي لحل مشكلة حركة المرور في المنطقة، وتقليل الازدحام، وتقليل الانبعاثات الكربونية.
  7. باعتماد مفهوم "محطة مجمع المرافق المركزية CUC"، أصبحت "إمدادات طاقة التبريد والطوارئ" للموقع بأكمله مركزية، مما عمل على توحيد الإمداد والإدارة من خلال شبكة الأنابيب في المنطقة، ورفع من كفاءة الطاقة وقلل من استهلاك الطاقة ومساحة غرف المعدات، ويقلل من الفاقد في عملية النقل، كما يقلل من تكاليف التشغيل والصيانة.
  8. استخدام مصابيح LED الشمسية في إضاءة الطرق بالمنطقة، التي لا تعمل على تحسين معدل استخدام الطاقة الخضراء فحسب، بل تقلل أيضًا من تكاليف وطاقات التشغيل لمرة واحدة.

عشر ضوابط هندسية صديقة للبيئة

كذلك عمدت الشركة الصينية العامة بقيادة بقيادة رئيس مجلس الإدارة "CHANG WEICAI" إلى وضع مجموعة من الإجراءات أثناء عملية التصميم المعماري منها:

أولاً.. استخدام الخرسانة شديدة الصلابة لتقليل استهلاك الموارد، وتقليل كمية الخرسانة المستخدمة، وتوسيع مساحة البناء، وتقليل استهلاك الطاقة في إنتاج الأسمنت، وتحسين كفاءة الاستخدام.

ثانيًا.. استخدام الخرسانة ذاتية الضغط، وهو امر لا يتطلب أي اهتزاز، مما يقلل بشكل كبير من الوقت اللازم لصب الخرسانة، كما يقلل من إهدار القوالب والخلاطات، ويوفِّر من إستهلاك طاقة البناء بشكل كبير.

ثالثًا.. استخدام الخرسانة خفيفة الوزن الأمر الذي يوفر منحدرًا للعزل المائي من جهة، ويعمل أيضًا على تحسين أداء العزل الحراري للمبنى، ويقلل من استهلاك طاقة تبريد الهواء، ويقلل من استهلاك المواد، ويقلل من وزن الهيكل من جهة ثانية.

رابعًا.. استخدام القضبان الفولاذية عالية القوة، ما يقلِّل من عدد القضبان الفولاذية المستخدمة، وكذلك يعمل عمل على توفير استهلاك مواد المشروع والقوى العاملة والطاقة الإنتاجية.

خامسًا.. استخدم هيكل الأرضية الخرسانية طويلة المدى ألواحًا خرسانية أرضية مسبقة الجهد لتقليل سماكة الألواح الخرسانية الأرضية بالتالي توفير كمية الخرسانة المستخدمة، مما سمح بزيادة ارتفاع المبنى.

سادسًا.. باستخدام الواجهات الزجاجية الموحدة، أصبح إنتاج المصنع أكثر كفاءة وفعالية، كما أصبحت أعمال التركيب والتثبيت في الموقع أكثر سرعة وراحة، مما يقلل من استهلاك طاقة الإنتاج الإجمالية. كما أنه يُصنع بجودة عالية، ما يحسن الأداء العام لعزل الجدران الخارجية للحرارة ويقلل من استهلاك الطاقة الإجمالي للمبنى.

سابعًا.. استخدام مواد البناء محلية الصنع، قدر الإمكان لتقليل الواردات، وتقليل التلوث الناجم عن النقل البحري والجوي، على سبيل المثال، في الاختيار الهيكلي، تم استخدام الهياكل الخرسانية المسلحة، وفي التصميم الديكور، تم استخدام الحجارة المحلية قدر المستطاع.

ثامنًا.. فيما يتعلق بالتصميم المعماري، تم إنشاء المزيد من "المساحات الانتقالية" بين المباني والبيئة الخارجية لتشجيع الناس على الخروج بعد غروب الشمس وانخفاض درجة الحرارة بسرعة للإستفادة من الرياح الطبيعية وتقليل اعتماد الناس على المكيفات الهوائية.

تاسعًا.. في التصميم الخارجي للمبنى، تم استخدام عدد كبير من "مكونات التظليل" لتقليل أشعة الشمس القوية، والحد من الضوء المباشر الذي يدخل المبنى، مما يقلل من "حمل التبريد" للمبنى.

عاشرًا.. في التصميم الخارجي للمبنى، تم استخدام "الزجاج المزدوج/العازل" لتقليل انتقال العدوى، وتقوية العزل الحراري، وتقليل حمل التبريد.

هذا فضلا عن مجموعة من الاجراءات الفنية التقنية النوعية، التي أشار إليها كبير المهندسين YUAN HAD التي من أبرزها:

  • في نظام التبريد المركزي للـ CUC، تم إضافة "خزان حراري" عملاق لموازنة التبريد وتحسين كفاءة نظام التبريد.
  • عند اختيار المصابيح، تم استخدام المزيد من مصابيح LED الموفرة للطاقة، ويعمل نظام التحكم الذكي في الإضاءة على تقليل فقد الإضاءة إلى أقصى حد.
  • يؤدي "تدوير مياه الصرف الصحي والنفايات" في المبنى، بالإضافة إلى إعادة تحلية المياه، إلى زيادة الاستفادة من الموارد المائية إلى الحد الأقصى.
  • . تشغيل أنظمة الري بالتنقيط والري بالرش بانتظام لتقليل استهلاك مياه الري مع الحفاظ على المناظر الطبيعية الخصبة.
  • نظام إدارة المباني BMS. مراقبة تشغيل أنظمة تكييف الهواء، وضبط إمدادات قدرة التبريد بذكاء، وتقليل فقدان قدرة التبريد.
  • تم اختيار جميع الأدوات الصحية الموفرة للمياه، مما يقلل من هدر الموارد المائية.
  • يعمل تكوين معدات فرز وضغط النفايات الصلبة على تحسين معدل إعادة تدوير النفايات وتقليل تكاليف النقل.

كما يشير كبير المهندسين YUAN HAD إلى الإجراءات المتخذة أثناء عملية البناء، ليؤكد أن الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية قد حرصت على مراعاة ما يلي:

اولا.. استخدم قوالب الألمنيوم بدلاً من القوالب الخشبية التقليدية؛ بهدف تحسين نعومة السطح وتقليل طبقات الطلاء وتقليل استهلاك المواد. زيادة سرعة الدوران، مما يحسن بشكل كبير من تقدم البناء ويوفر استهلاك طاقة الإنتاج. إعادة التدوير عدة مرات لتقليل هدر القوالب. نسبة إعادة التدوير عالية ومتجددة مما يقلل من استهلاك المواد.

ثانيا.. تركيب نظام معالجة مياه الموقع؛ لتنقية مياه الصرف الصحي واستخدامها في إزالة الغبار وأعمال الري والتخضير وتنظيف المركبات وما إلى ذلك، مما ساهم في توفير الكثير من موارد المياه.

ثالثاً.. استخدم البلاط المختلط والجاهز لتقليل الغبار وعبء العمل في الموقع، وتحسين الكفاءة وتقليل استهلاك طاقة الإنتاج.

رابعا.. تخصيص القضبان الفولاذية لتقليل التداخل وخسارة المواد.

خامسا.. استخدم مصابيح الشوارع وسخانات المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية في منطقة المعيشة لتقليل استهلاك الطاقة.

مدير قسم الدعاية والإعلان LI BINGHONG : الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية مسيرة طويلة تمتد لاكثر من 40 عاما من الخبرة

من ناحية أخرى يذكر مدير قسم الدعاية والإعلان LI BINGHONG أن الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية(CSCEC)كانت قد تأسست رسميًا في عام 1982، وأنها هي واحدة من أكبر مجموعات الاستثمار والبناء في الصين مع أطول تطوير مهني، وأقرب عملية موجهة نحو السوق، وأعلى درجة من التكامل، وأكبر حجم في العالم.، حيث تمتلك 8 شركات مدرجة وأكثر من 100 شركة تابعة قابضة من المستوى الثاني. كما يؤكد أن الشركة قد احتلت المرتبة التاسعة من قائمة فورتشن غلوبال 500 في عام 2022، والمرتبة الثالثة من أقوى الشركات الصينية الـ500، كما إحتلت المرتبة الأولى من بين أفضل 250 "مقاولا هندسيًا في العالم"، بجانب استمرارها في الحفاظ على أعلى تصنيف إئتماني عالمي للصناعة، والتحسين المستمر في القدرة التنافسية للسوق وتأثير العلامة التجارية، وتوطيد مكانتها الرائدة في هذه الصناعة.

من ناحية أخرى يغطي أداء أعمال الشركة الصينية للهندسة المعمارية أكثر من 100 دولة ومنطقة في العالم، ويشمل تخطيط أعمالها الاستثمار والتطوير (التطوير العقاري، وتمويل البناء، والتشغيل القابض)، بجانب البناء الهندسي (بناء المساكن والبنية التحتية)، والمسح والتصميم، والأعمال الجديدة (البناء الأخضر، وتوفير الطاقة وحماية البيئة والتجارة الإلكترونية) وغيرها من القطاعات الأخرى. وفي الصين،

تعتبر الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية CSCEC، هي الشركة المنفذة لمشروع منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، ويقع مشروع منطقة الأعمال المركزية في قلب الصحراء بحوالي 50 كيلو مترا شرق العاصمة القاهرة ويتكون من 20 برجًا سكنيًا وتجاريًا بما في ذلك البرج الأيقوني "أطول برج في إفريقيا"، حيث أصبح أعلى من برج القاهرة ، الذي يتكون البرج من 78 طابقًا ليصل ارتفاعه إلى 385مترًا. تقدر استثمارات هذا المشروع نحو 3 مليارات دولار، تم تنفيذها بالتعاون بين وزارة الإسكان، ممثلة فى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وبين شركة cscec الصينية، ، وكذلك ّ البرج الإداري C01 في مشروع CBD بالعاصمة الإدارية الجديدة الذي يعتبر بدوره أطول مبنى إداري في المشروع، حيث يبلغ ارتفاعه 174 مترًا ويتكوّن من طابقين تحت الأرض و35 طابقًا فوق الأرض.

لقد تمّ دمج مفهوم "الريادة التكنولوجية والتقدّم العلمي" في جميع مراحل إنشاء المشروع، مع الاستخدام واسع النطاق للمواد والتقنيات الحديثة. ومشروع برجي سي زيرو 7 وسي زيرو 8، الذى تشرف عليه الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية CSCEC، ويعتبر الجسر الذي يربط بين البرجين، المعروف باسم "جسر الصداقة"، هو الجسر الأول من نوعه في مصر.

إن منطقة الأعمال المركزية تضم البرج دي زيرو وهو أطول برج سكني في أفريقيا بطول 169 مترا ويبلغ عدد أدواره 49 طابقًا. لقد تم تزيين المنطقة التي تتوسط الأبراج بتصميم مفتاح الحياة وسيتم وضع مسلة فرعوني حيث تضم المنطقة كذلك ثاني أكبر مركز للطاقة في مصر CUC، المعني بتوفير الكهرباء للأبراج في حالة الطوارئ ويمد الفنادق بالخدمات. أيضًا مشروع أبراج الداون تاون بمدينة العلمين الجديدة، والذي يعد مثالاً آخر للتعاون المصري الصيني في إطار مبادرة "الحزام والطريق".

يطبق هذا المشروع التكنولوجيا الذكية ويركز على استخدام الطاقة الصديقة للبيئة خاصة الطاقة الشمسية ويتضمن وحدات مركزية للمياه المثلجة التي ستستخدم فيما بعد في تغذية شبكات أجهزة التكييفات دون استهلاك عال للكهرباء.

الحقيقة أن هذه الشركة تعتبر نموذجًا فعالاً يحتذى به في تعميق العلاقات الودية بين مصر والصين في الأوقات الاستثنائية، حيث تحرص "الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية - CSCEC - مصر" على توفير بيئة معيشية هانئة، بالإضافة إلى تقديم كل سبل الراحة والسعادة لأكبر عدد ممكن من الناس.

تقرير التنمية المستدامة لشركة (CSCEC) للعام 2021 – 2022 في مصر

يشير تقرير التنمية المستدامة لشركة (CSCEC) إلى أن تصميم المشروع قد ركز على الاعتبارات الأمنية والبيئية باستخدام طاقة أقل وخامات محلية وتطوير إدارة التخلص من القمامة.

مرة أخرى يضخ مشروع إنشاء منطقة الأعمال المركزية (CBD) الذي تقوم بتنفيذه الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية (CSCEC)، دَفعَة حيوية جديدة في شرايين التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر. حيث إن تنفيذ الشركة الصينية لمشروعات كبيرة في مصر ، يساهم بشكل كبير في توطين تكنولوجيا البناء الصينية في مصر، خاصة أن الشركة استخدمت بكل تأكيد تقنيات حديثة بدأ يكون لها مردود على سوق الإنشاءات في مصر.

أمين عام مركز الفارابى للدراسات السياسية

تحرير وإخراج: مركز الفارابي للدراسات السياسية

الجديد الذى ننتظره حلمي النمنم

يُطلعنا د. محمد حسين هيكل (باشا)، في مذكراته السياسية، على الكثير من خبايا جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتى انتهت بصدور القرار ١٨١ الخاص بتقسيم فلسطين.معظمنا يعرف هيكل (باشا)، صاحب رواية زينب، الرواية العربية الأولى المكتملة فنيًّا ودراميًّا، وإن لم تكن الأولى تاريخيًّا، والتى أصدرها وهو شاب- سنة 1914 - هو أيضًا الليبرالى، صاحب كتاب «جان جاك روسو» في جزءين، وهو من أهم ما كُتب عن روسو قاطبة، لذا شاهدت صورة ضخمة لهيكل في مدخل متحف روسو في مدينة جنيف، وهو كذلك صاحب الدراسات المتميزة في مجال الإسلاميات، مثل «حياة محمد».. «فى منزل الوحى».. «الفاروق عمر» وغيرها.لكن تاريخ حسين هيكل السياسى جرى تجاهله مع الكثير من تاريخنا، خاصة في السنوات الأخيرة من العصر الملكى برموزه وأحداثه.كان هيكل رئيس حزب الأحرار الدستوريين حين قامت ثورة يوليو 52، وترأس مجلس الشيوخ، وتولى وزارة المعارف، وفى سنة 1947، اختاره رئيس الوزراء، محمود فهمى النقراشى، كى يترأس وفد مصر في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة قضية فلسطين، خاصة أن لجنة شكلتها الجمعية لدراسة الملف، انتهت إلى التوصية بتقسيم فلسطين إلى ثلاثة أقسام، قسم لليهود بنسبة 55 % من مساحة فلسطين، ويضم الساحل، بما فيه عكا وحيفا، ويترك للعرب يافا فقط على الساحل، أما القدس فتخضع لإدارة دولية.انزعجت الدول العربية، واحتشدت في الأمم المتحدة للدفاع عن عروبة فلسطين. العراق أرسل نورى السعيد على رأس الوفد، صاحب السمو الملكى الأمير فيصل بن عبدالعزيز ترأس وفد المملكة السعودية، مصر باتفاق الملك فاروق ورئيس الوزراء تكلف هيكل، وهو يومها رئيس الاتحاد الدولى للبرلمان، صاحب صلات دولية عتيدة، فضلًا عن أنه كان رئيسًا لتحرير جريدة السياسة الأسبوعية فترة طويلة، وله صلات جيدة بالصحافة الغربية، وكان محمود فوزى، وزير الخارجية الأشهر في زمن عبدالناصر، عضوًا بالوفد.نشطت الوفود العربية، ونشط وفد باكستان تحديدًا، وكان رئيسه، ظفرالله خان، من أشد المدافعين عن عروبة فلسطين، لديه إلمام واسع بتاريخ فلسطين وتفاصيل ما جرى فيها من بريطانيا والمنظمات الصهيونية، لكن صدمهم جميعًا الرئيس الأمريكى ترومان، الذي أعلن في كلمته بالجلسة الافتتاحية لاجتماعات المنظمة الدولية تأييده وتأييد بلاده مشروع التقسيم، بما أضفى حالة من التشاؤم على المشاركين العرب، حاول وزير الخارجية الأمريكى تخفيف صدمة رؤساء الوفود العربية بالقول إنهم مازالوا يفكرون، ودعاهم إلى جلسة عشاء، واستمع منهم إلى أسباب اعتراضهم على فكرة التقسيم، وأثبتت الأيام صحة مخاوفهم وتوقعاتهم، الأمير فيصل وكذا نورى السعيد قررا أن القرار سيشعل حربًا دائمة في المنطقة، د. هيكل أضاف أن التقسيم سوف يشعل أجواء العصور الوسطى والحروب الدينية مجددًا في المنطقة، وذكّر الأمريكيين بالحروب الصليبية، التي دارت معظمها في فلسطين، حول القدس، خاصة أن إسرائيل تتأسس وفق تصور دينى.وسط هذا كله، شرح رئيس وفد الإكوادور، لرئيس الوفد المصرى، وكانا صديقين، صعوبة الموقف العربى، واقترح عليه أن يقدموا مشروع قرار خاص بهم، وليكن قرار الفيدرالية في فلسطين، على غرار سويسرا.كان هناك مشروع وحيد مقدم، وهو التقسيم. قبلها بشهور، كان قرار مماثل قد صدر بخصوص تقسيم الهند، وتم تنفيذه بدماء غزيرة، في العادة إذا كان هناك مشروع واحد يتم غالبًا إقراره، حتى لو تعددت جولات التصويت، أما إذا كان هناك أكثر من مشروع يمكن التوفيق بينها، وربما تأجيل التصويت على أي منها، وإذا حدث ذلك يكون العرب قد كسبوا بعض الوقت حتى يتدبروا الأمر، طرح رئيس الوفد المصرى الاقتراح على عدد من رؤساء الوفود العربية، وتحدثوا مع ممثل فلسطين، «جمال بك الحسينى»، وكانت الأمم المتحدة قد دعته إلى الحديث عن فلسطين، كما دعت د. حاييم وايزمان، وكان كهلًا، إلى الحديث عن اليهود.كان الاقتراح خارج دائرة تكليف واختصاص رؤساء الوفود العربية، ولم يكن يحق لأى وفد عربى أن يتقدم بمشروع باسم فلسطين، وما كان الفلسطينيون يقبلون بذلك.رئيس الوفد المصرى كان متابعًا جيدًا للقضية منذ صدور وعد بلفور، ولديه الكثير من الخبايا. قبل الاجتماعات الأممية، أصدرت سلسلة اقرأ التابعة لدار المعارف كتاب «قضية فلسطين» للمؤرخ المصرى المعروف «محمد رفعت بك»، في أغسطس من السنة نفسها، وبه متابعة القضية بالتفصيل منذ نهاية القرن التاسع عشر، وأنهاه باحتمالات أربعة لمسار القضية.كان مشروع التقسيم أحدها، لكن لم يكن بمقدور غير الفلسطينى أن يأخذ بأى اقتراح، لذا اقتصر دور العرب على رفض قرار التقسيم، ومحاولة تعطيل إصداره، لكن أمام نصيحة الصديق الإكوادورى، وضعوا الأمر أمام صاحب الحق الأصيل، لذا طلبوا من «جمال» أن يسافر فورًا إلى بيروت، ويجتمع بالحاج أمين الحسينى في أي مكان، ويعرض عليه الأمر، ويعود منه باقتراح مشروع فلسطينى مقابل مشروع التقسيم، رفض جمال الحسينى قائلًا إن ذلك يُعرضه للاتهام بالخيانة، وقد يُقتل.وهكذا مر قرار التقسيم بضغوط الرئيس الأمريكى شخصيًّا، كان رئيس وفد الفلبين- كما يذكر هيكل- مدافعًا قويًّا عن فلسطين، فاتصل الرئيس الأمريكى برئيس الفلبين، مهددًا، مما ألزم رئيس الوفد الفلبينى الصمت المطبق، وحدث شىء مشابه من ترومان مع عدة دول أخرى، (من ترومان إلى جو بايدن لا فارق)، ومر القرار دون أغلبية، لكن عدد الموافقين (33) تجاوز ضعف عدد الرافضين (13)، فاعتُبر صحيحًا.من الدول التي صوتت بالاعتراض، إلى جوار الدول العربية وكذا الإسلامية، الهند واليونان، ومن الدول التي وافقت الصين والاتحاد السوفيتى، وامتنعت بريطانيا عن التصويت وكذا إثيوبيا.هذه التفاصيل كلها ليست بكاء على لبن سُكب مرات عديدة في تاريخنا، ولا هي من باب التبكيت التاريخى، ولا حتى من باب التساؤل الوجودى: «ماذا.. لو؟»، لكنها تفاصيل ترتبط باللحظة الراهنة في فلسطين، وقد تكون مفيدة.حرب الطوفان كشفت أن الجيش الإسرائيلى استهدف المدنيين فقط، لم يكن يستهدف قادة حماس، كما ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلى. هذه الحرب هي أقل المواجهات استهدافًا لقادة حماس، لكنها ركزت على المواطنين المدنيين، الذين لم يشاركوا في عملية الطوفان، ولا تمت استشارتهم فيها من قبل ولا أخذ رأيهم فيها، ولا مَسَّ أحدهم إسرائيليًّا بأذى، مدنيًّا كان أو عسكريًّا، المؤكد أنهم فوجئوا بها مثل كثيرين، ومع ذلك قُتل منهم أكثر من 14 ألفًا، معظمهم أطفال ونساء وشيوخ، والمصابون أكثر من ضعف هذا الرقم، أي أننا إزاء قرابة 50 ألفًا ما بين شهيد وجريح، ناهيك عن مئات الآلاف من المشردين خارج بيوتهم، وهناك تدمير كامل للبنية الأساسية في غزة من مدارس ومستشفيات وغيرها، إنه شىء أقرب إلى ما وقع في هيروشيما ونجازاكى باليابان ومدينة درسدوف الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، ذلك هو تاريخ الغرب في الحروب والصراعات، لا يُحدثنا أحد عن حقوق الإنسان وعن حرمة حياة المدنيين، تذكروا دائمًا مقتل نصف مليون عراقى في مطلع هذا القرن.ومع ذلك، هناك في الجانب العربى بعض الممتعضين من الهدنة، التي بدأت صباح الجمعة الماضى، بجهود مصرية وقطرية حثيثة، جاءت الهدنة مطلبًا للفصائل الفلسطينية وكذا إسرائيل. أحد الكُتاب العرب اعتبر الهدنة خطأً وخطرًا، كاتب آخر يحتج بأنه لم يتم إطلاق «كل الأسرى العرب».القتال حتى «آخر مدنى فلسطينى» موقف مدمر، بل موقف صهيونى. إذا كانت مصر قد تصدّت لمخططات التهجير القسرى وتصفية القضية، فإن القتال إلى آخر مدنى فلسطينى تصفية أخرى لها، إنهاء للوجود الفلسطينى.المشكلة الآن ألّا يتكرر موقف جمال الحسينى مجددًا، وألّا تتكرر معركة الحاج أمين الحسينى مع راغب النشاشيبى سنة 1936، بما هدد بأن تتحول الثورة الفلسطينية الكبرى إلى ما يشبه الحرب الأهلية، ويذهب فريق إلى أن الوطن القومى لليهود أفضل له من الفريق الآخر (الفلسطينى)، يجب ألّا تذهب كل تضحيات الفلسطينيين هذه المرة هباء، وتكون وقودًا لخلافات الفصائل والسلطة.هل نجد مشروعًا وطنيًّا فلسطينيًّا معلنًا يجتمع حوله الكل الفلسطينى، ويكون له رمز وطنى ودولى كبير ومسموع، مثل سعد زغلول في مصر وغاندى في الهند ومانديلا في جنوب إفريقيا وبن بلة في الجزائر؟

أما بعد حلمي النمنم

كل حروبنا مع إسرائيل، بغض النظر عن نتيجتها العسكرية، كانت تنتهى إلى حروب أهلية داخلية، عربية-عربية حينًا وحروب داخل كل بلد أو قطر، ليست بالضرورة حروبًا عسكرية، ولكن سياسية وثقافية في المقام الأول، وأظن أن تلك هي النكبة الحقيقية.وارد أن يُهزم أي جيش في معركة ما، الجيش الأمريكى هُزم في فيتنام، الجيش السوفيتى هُزم في أفغانستان، واضطر إلى الانسحاب تلقائيًّا، دونما اتفاق أو تفاوض مع الطرف الآخر.الهزيمة في حرب ١٩٤٨ كانت شبه يقينية لدى فريق من المطلعين على الأمور جيدا، لذا رفضوا دخولها في البداية، مثل النقراشى وإسماعيل صدقى باشا، بل حتى قيادات الوفد، كانت الزعامات المصرية على دراية كاملة بالقضية الفلسطينية منذ أحداث البراق سنة ١٩٢٩، وكانوا على تواصل بالقيادات الفلسطينية سواء جناح الحاج أمين الحسينى أو الجناح المناوئ له، جناح «النشاشيبى».محمد فراج طايع، أول وزير خارجية في عهد اللواء محمد نجيب، نشر مذكراته في مطلع الستينيات وفيها هجوم شديد على الحكام العرب سنة ٤٨، الذين تجاهلوا رأى دبلوماسييهم في القدس بخطورة الوضع في فلسطين والتحذير من دخول الحرب، كان الوزير «طايع» أحد هؤلاء، حيث كان بالقنصلية المصرية في القدس وقتها، كان لديها نفس تقدير الموقف حربيًّا.إسرائيل كانت قائمة بالفعل وعلى الأرض قبل الحرب، وحتى قبل صدور قرار التقسيم بسنوات بعيدة، «تل أبيب» العاصمة بُنيت منذ سنة ١٩٠٩، لديهم جيش قوى، مدرب ومسلح، عندهم جهاز مخابرات نشط منذ نهاية العشرينيات، لديهم إذاعة وصحف، فضلًا عن سائر مؤسسات الدولة، كان ينقصها فقط الإشهار ورفع العَلَم والحصول على الاعتراف الأممى.لكن ما إن انتهت الحرب، حتى نسى الجميع «الكيان الصهيونى»، وتجاهلوا «إسرائيل المزعومة»، أكثر من ذلك تجاهلوا مستقبل فلسطين ومصير شعبها، وتفرغوا لحروب أهلية، افتتحها الراحل إحسان عبدالقدوس بحملته الشهيرة حول ما سماه «الأسلحة الفاسدة»، وهلّل الجميع للحملة نكاية في الملك فاروق، الذي صار أشبه بلوحة التنشين في ساحة التدريب على إطلاق الرصاص، ليس داخل مصر فقط.كتاب الصحفى الإسرائيلى رون بيرجمان «اقتل أولًا»، صدر سنة ٢٠١٨، الكتاب عن التاريخ الدموى لجهاز الموساد، حتى قبل قيام الدولة، وأنه جهاز يفضل القتل، حتى لو لم تكن هناك ضرورة لذلك، ورد فيه أن «بن جوريون» تصور مشكلة إسرائيل في الحكام العرب الذين دخلوا الحرب مع إسرائيل، لذا قرر قتلهم جميعًا، حتى مَن كان لا يمانع في الصلح والسلام مع إسرائيل، مثل الزعيم اللبنانى رياض الصلح، على هذا الأساس وصلت خلية من الموساد إلى القاهرة بهدف واحد، هو اغتيال مَن أعلن الحرب على إسرائيل الملك فاروق، ولما أطاح به محمد نجيب، وغادر مصر يوم ٢٦ يوليو ٥٢، تم تعديل الخطة، اكتشف بن جوريون أن الحكام الجدد أكثر رفضًا له من النظام الملكى، كُلفت مجموعة الموساد بالعمل في الداخل، والاستعانة باليهود المحليين، وقامت الخلية بتنفيذ العملية «سوزانا»، التي عُرفت إعلاميًّا باسم «فضيحة لافون»، حيث تم الكشف عنها، وأُلقى القبض عليهم جميعًا.لم يقتصر الأمر على الملك فاروق، جرى تبادل الاتهامات والطعن في الوطنية إلى النخب الثقافية، اتهم لطفى السيد وطه حسين، مازالت الاتهامات قائمة إلى اليوم، لفقت الصحافة العربية اتهامات للفنانة ليلى مراد بالتبرع ماليًّا لدولة إسرائيل، ثم انتقل الاتهام ونُشر في بعض الصحف المصرية التي برعت في إضافة البهارات إليه، ولما اتسعت مساحة الاتهامات قامت القوات المسلحة بالتحقيق في كل ما قيل، وتبينت براءة ليلى مراد وعُرفت الحقيقة، لكن بعد انكسار روح الفنانة المصرية العظيمة.خارج مصر، جرى اتهام ملك الأردن، عبدالله الأول، وتم اغتياله عند باب المسجد الأقصى يوم ٢٠ يوليو ١٩٥١، وتحققت أمنية بن جوريون، ولأن طاحونة التخوين والاتهامات لم تتوقف، جرى اتهام الفلسطينيين بأنهم هم مَن باعوا الأرض والوطن لليهود، لم يتردد بعض الحمقى في اتهام شعب بأكمله بالخيانة، ورد فريق من الفلسطينيين بأن فلسطين ضاعت بسبب خيانة العرب، خاصة الحكام، وأنهم كانوا قادرين من البداية على إنهاء الوجود الإسرائيلى على أرضهم، لكن «الحكام العرب» كانوا يتدخلون لمنعهم، سرديات كاملة من التخوين وأبشع الاتهامات نحو الجميع وفى كل الاتجاهات، لا تزال أصداؤها بيننا إلى اليوم.وهكذا حروب أهلية على كافة المستويات، دون الالتفات إلى الضفة الأخرى من النهر. وزعم كل فريق أنه كان بصدد القضاء على الكيان لولا أن خصومه السياسيين منعوه، وكانوا في ذلك بين مُدَّعٍ أو كاذب أو مُغَيَّب عن الحقيقة.تم التحقيق في قضية الأسلحة الفاسدة زمن الملك، ثم زمن محمد نجيب، وثبت في المرتين زيفها، لكن أحدًا لم يجرؤ على أن يرفع صوته خشية أن يُتهم بالدفاع عن «الملك الخائن» أو أن يقر بقوة «الكيان الصهيونى»، وهكذا الحال في سائر الأقوال- الاتهامات والأحكام- الأخرى.حين كان «على صبرى»، وزير دولة برئاسة الجمهورية بعث خطابًا إلى إحسان عبدالقدوس يلفت انتباهه بلطف إلى أن مسألة الأسلحة الفاسدة ليست صحيحة، فغضب إحسان بشدة من الخطاب وصاحبه.ما حدث بعد حرب ٤٨ تكرر مع كل حرب من «العدوان الثلاثى» سنة ٥٦ إلى حرب أكتوبر، لا فارق بين هزيمة أو نصر. انتصرنا في ٥٦ وفى ٧٣، في حرب الاستنزاف لم نُهزم ولم نحقق نصرًا كبيرًا، أثبت الجيش المصرى أنه لم ينتهِ مع هزيمة ٦٧، بل أُعيد بناؤه، وصار قادرًا على المواجهة وندًّا قويًّا، في حرب أكتوبر كان نصرنا كبيرًا وعظيمًا.بعض محاضر اجتماعات الرئيس عبدالناصر بعد هزيمة يونيو ٦٧، ثم أثناء حرب الاستنزاف العظيمة، تكشف معاناة الرجل من تلك الحالة عربيًّا وداخل مصر.في أكتوبر ٧٣، حققت القوات المسلحة المصرية إنجازًا ضخمًا يوم السادس من أكتوبر، لكن الحروب الأهلية نشبت أثناء الحرب وبعدها، حتى إن كاتبًا كبيرًا أصدر كتابًا اعتبر الحرب مسرحية مدبرة بين السادات وجولدا مائير برعاية هنرى كيسنجر.في كل مرة تطغى الخلافات السياسية والأيديولوجية، تسود الصراعات والإحَن أو الأحقاد الخاصة، وربما بعض المطامح والتطلعات الشخصية الصغيرة، فضلًا عن الولع بالمكايدات الشخصية والسياسية.ومنذ حرب السابع من أكتوبر الماضى، ونحن نتابع شرر الحروب الأهلية العربية، الحرب لا تزال قائمة، وفيما يبدو أنها لن تتوقف قريبًا، وقد تصبح حرب استنزاف، يوم اندلاعها أثار إعلام مكايدة الدولة المصرية مسألة أن مصر كانت على علم مسبق بالعملية، وأنها نبهت إسرائيل وأحاطت حكومتها علمًا، وهذا يعنى- بين السطور- اتهام الدولة بالتعاون والتنسيق التام مع إسرائيل ضد الفلسطينيين، على مستوى الشارع المصرى والعربى هو اتهام بالخيانة، لكن هذا الاتهام يعنى عمليًّا اتهام الحكومة الإسرائيلية أمام شعبها بالتقصير والخيانة، لذا رد بنيامين نتنياهو في بيان حمل تكذيبًا حادًّا وقاطعًا، الغريب أن مَن روجوا تلك الأكذوبة خرسوا تمامًا أمام تكذيب نتنياهو، وهم عادة لا يأبهون بأى تكذيب. ثم هبّت علينا ميليشيات افتحوا الحدود أمام إخوتنا، ونجحت الدبلوماسية المصرية في إثبات «صهيونية» هذا المطلب أو الطرح.ورغم أن الدماء لا تزال تتدفق في غزة والضفة أيضًا، ورغم أن أداء الدولة المصرية في مستوى رفيع من الوطنية وحماية الحق المصرى وكذا الحق الفلسطينى، فإن أبواق المزايدة والكيد الرخيص لم تتوقف، ليس على المستوى المصرى فقط، لكنها ممتدة في كل ناحية. ألسنة الحروب الأهلية تبدو في كل بقعة حولنا وبيننا.يومًا ما، نرجوه قريبًا، ستتراجع المذابح، فهل نتفرغ وننساق إلى الحروب الأهلية سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفنيًّا واقتصاديًّا، ونتجاهل الطرف الآخر كما في كل مرة أم نتجه إلى المستقبل لاستكمال المشروع الوطنى المصرى والحفاظ عليه؟.لقد أكدت الأحداث الأخيرة أن المشروع الوطنى ليس حذلقة سياسية ولا وجاهة فكرية، كما يتراءى للبعض، بل هو ضرورة وجودية، كما أنها وجوبية.ومن ضرورات المشروع الوطنى المصرى العمل على إقامة دولة فلسطينية، مستقلة، معترف بها أمميًّا، تتجمد بقيامها بحيرات الدم، وتزول الروح العنصرية المقيتة، وتتراجع دوافع الإرهاب، أيًّا كان مصدره ومَن يرتكبه وأيًّا كان اسمه وشكله أو اللافتة التي يختبئ خلفها.

بحيرات الدم حلمي النمنم

مَن لديه إحاطة، ولو محدودة، بالثقافة والفكر الغربى يدرك بعض الملامح الأساسية فى ذلك الفكر، بعضها إيجابى وبَنّاء، نعرفه وندرسه، منذ رحلة أو بعثة رفاعة رافع الطهطاوى الشهيرة إلى فرنسا فى زمن محمد على.وفيها كذلك ما هو سلبى ومدمر، من ذلك كراهية عميقة لليهود، اليهود كأفراد ومجموعات بشرية وليس الديانة اليهودية، راجع- مثلًا- شخصية «شيلوك»، المُرابى المجرم فى مسرحية وليم شكسبير «تاجر البندقية». فى عديد من الأعمال الأدبية والفكرية الأوروبية من السهل أن تجد إشارات ازدراء لليهود، ليس من باب التفكه والتندر، بل من باب الكراهية البغيضة والعنصرية المباشرة.فيما بعد، ومع نهاية القرن التاسع عشر، سوف يتم تصنيف ذلك كله تحت اسم «العداء للسامية»، خاصةً أن ذلك الازدراء انتقل إلى الشارع، وربما كان موجودًا من قبل، واقعة الجندى الفرنسى/ اليهودى «دريفوس» كانت كاشفة ودليلًا على ذلك العداء، جرَت الواقعة فى فرنسا، ولم تقع فى مصر ولا شرق «المتوسط».إلى جوار هذه الكراهية، هناك كراهية شديدة للإسلام دينًا ونبيًّا وتاريخًا، ليس صحيحًا أن ذلك مرتبط بحالة «الإسلاموفوبيا»، التى تفشت مع جريمة ١١ سبتمبر وشبح أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة (الإرهابى).الجذر الثقافى قديم، لن نتوقف أمام كثير من أعمال المستشرقين، التى تنضح بالكراهية والخلل العلمى والمعرفى الشديد، لكن هناك أعمال أدبية وفنية كاشفة، مثل «الكوميديا الإلهية» لدانتى، ودون كيخوته للإسبانى سيرفانتس، ومسرحية فولتير الشهيرة عن النبى محمد- صلى الله عليه وسلم- ولما كان الإسلام الأول عربيًّا، ثقافة وفكرًا وحضارة، لذا تجسد ذلك فى كراهية العرب بالمجمل.أولئك الذين صنعوا ذلك التاريخ، خاصة فى حواضره الكبرى، بلاد الشام ومصر والعراق، حيث الدول الأموية والعباسية ثم الفاطمية وكذا الأيوبية والمملوكية، حقبة الحروب الصليبية تجسد تلك الكراهية. جرى معظمها على أراضى فلسطين ومصر، تاريخيًّا حسم أمر تلك الحملات فى مصر وفلسطين، ما بين المنصورة ودمياط والقدس.ما قام به الغرب من إزاحة سكان الأندلس، وكانوا جميعًا من المسلمين واليهود، يعكس ذلك التوجه الثقافى الدفينالعصر الحديث، لم تسقط تلك الكراهية، ولكن جرى التعبير عنها بطرق مختلفة، طريقة أودلف هتلر، الزعيم الألمانى، بالتخلص المباشر من اليهود فى أفران الغاز، خلال الحرب العالمية الثانية، وقد ثار نقاش مطول حول عدد مَن أُحرقوا والمواد التى استُعملت، بالمناسبة طُرح هذا النقاش داخل أوروبا أولًا، ثم انتقل إلينا، وهذا لا يؤثر كثيرًا، إحراق مواطن واحد جريمة كبرى، فما بالنا بمَن يحرق ملايين، أيًّا كان الرقم!.كان هتلر عنصريًّا يكره اليهود ويرغب فى التخلص منهم، ولكن على طريقته النازية، أى الإبادة الجماعية.بقية الغرب أو أعضاء ما يسمى «العالم الحر» لديهم نفس الثقافة تجاه اليهود، ولكن بغير الطريقة النازية، لذا قرروا التخلص منهم بطريقة أخرى، وهى إزاحتهم من أوروبا والولايات المتحدة، بلاد الغرب عمومًا إلى بلاد الشرق، بلاد العرب فى فلسطين تحديدًا، حيث قبر ومجد صلاح الدين الأيوبى، وهنا تكون المحرقة للاثنين معًا، اليهود والعرب، ويتخلص الغرب بذلك من الإحن والعقد الثقافية التى تحكمه. يحدث ذلك باسم الحب لليهود والتعاطف معهم، تم اختزال اليهود فى اتباع وأهداف الحركة الصهيونية.قبل وعد بلفور بسنة- ١٩١٦- صدر وعد ألمانى مشابه من قيصر أو إمبراطور ألمانيا «فيلهم الثانى»، نعرفه نحن باسم «غليوم الثانى»، ولما كانت الهزيمة فى انتظار ألمانيا جرى تجاهل وعده من المنظمة الصهيونية والتمسك بوعد لورد بلفور، وزير الخارجية البريطانى.حين صدر وعد بلفور، ثم بدأ تنفيذه مع الانتداب البريطانى على فلسطين، كان واضحًا للجميع أن الدم ينتظر ذلك الوعد، كانت فلسطين مزدحمة بالأهالى، كانت الكثافة السكانية فى القدس وقتها تفوق الكثافة السكانية فى مدينة نيويورك وفق تقرير علمى موثق، لكنهم زعموا أن فلسطين أرض بلا شعب، كانوا يعرفون ويدفعون الأمور نحو القتل والدم، دماء العرب واليهود، كان ممكنًا، بل واجبًا، بذل الجهود لتلافى ذلك بدفع الأمور نحو التعايش والتفاهم فى فلسطين.وكان ذلك يسيرًا، هناك العديد من الشواهد عليه داخل فلسطين نفسها وبين الفلسطينيين، سواء فى القرن العشرين أو قبل ذلك بقرون، ذلك أن أرض فلسطين تضم تاريخًا روحيًّا عميقًا ومقدسات إسلامية ومسيحية ويهودية، من ثَمَّ هى أرض التعايش والتوادّ والتسامح، لكن مع خفة واستسهال، لنقل استهبال، تصير أرض الدماء الغزيرة، وهذا ما جرى العمل عليه مع الانتداب البريطانى، تمت إثارة النفوس وإسالة المزيد من الدماء.ليتنا نتذكر أن فكرة تقسيم فلسطين فى الأصل مقترح بريطانى أُعلن سنة ١٩٣٦، كان ذلك قبل نشوب الحرب العالمية الثانية وقبل توحش هتلر وقيامه بالمحرقة، كان ذلك الاقتراح أحد أسباب الثورة الفلسطينية الكبرى فى السنة نفسها، وبدلًا من تفهم الوضع، أخفت بريطانيا الاقتراح فى الأدراج انتظارًا لفرصة ثانية، أفكارهم ومشروعاتهم لا تموت، يمكن أن تُرجأ فقط.وليس صحيحًا ما يتردد فى الأدبيات العربية، خاصة فى الأيام الأخيرة، من أن الدم تدفق مع قرار التقسيم فى نوفمبر سنة ١٩٤٧ ثم حرب ١٩٤٨ وإلى يومنا هذا.. الدماء تسيل على أرض فلسطين منذ مائة عام. كانت أحداث البراق سنة ١٩٢٩، وقد سبقتها بسنوات صدامات وأعمال عنف حول القدس وفى مدينة الخليل، كل تلك الوقائع كانت تنذر بالخطر القادم، لم يكن اللهب تحت الرماد، بل كان قريبًا جدًّا من السطح، بوادر الاشتعال كانت ظاهرة للعيان، لكن دول الغرب، وفى مقدمتها «بريطانيا العظمى»، دفعت نحو المزيد من التفاقم والدماء. فعلت ذلك عن قصد.واليوم، يجب ألا نندهش من موقف الرئيس جو بايدن، منذ يوم السابع من أكتوبر، تصرف باعتباره طرفًا رئيسًا فى القتال وليس صانعًا ولا راغبًا فى السلام، قدم السلاح والذخيرة إلى إسرائيل، أرسل حاملة الطائرات جيرالد فورد، ثم غواصة نووية إلى ساحل «المتوسط» قبالة فلسطين، أعلن أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، هدد الدول المجاورة من محاولة التدخل فى القتال، يحاول الضغط على الدولة المصرية للقبول بتفريغ غزة من سكانها، ثم فوجئنا بوجود قاعدة عسكرية أمريكية فى صحراء النقب على بُعد ٣٢ كيلومترًا من غزة، تضم القاعدة رادارًا يرصد أى طيران أو صواريخ تحاول أن تتجه نحو إسرائيل، كل هذا، ولا يضغط لوقف إطلاق النار.نصف هذا الجهد أو ربعه كان يكفى لمنع اشتعال النيران، خاصة أن لدى الإدارة الأمريكية قنوات اتصال مع القيادة السياسية لحماس منذ سنوات، تصريحات السفير القطرى لدى الأمم المتحدة واضحة بأن الإدارة الأمريكية طلبت من قطر استضافة قيادة حماس ليسهل التواصل معهم.حتى بعدما وقع يوم السابع من أكتوبر الماضى، كانت هناك طرق أخرى عديدة للرد والردع، لكن الهدف العميق هو الإبادة وإقامة المحرقة للعرب واليهود معًا.سوف تنتهى هذه الحرب، لكن لن تكون آخر الحروب ولا آخر العمليات الدموية، حتى «لابيد»، زعيم المعارضة فى إسرائيل، قال، مساء الخميس، على قناة العربية، إنه مع حل الدولتين، لكن الطريق إليه «طويل وبالغ التعقيد»، أى لا تتوقعوا قيام الدولة الفلسطينية قريبًا، هو استعمل جملة أن حل الدولتين لن يتحقق «فى المنظور القريب». هو تعبير مفتوح، هذا المنظور قد يمتد إلى جيل أو نصف قرن، وربما لقرن آخر.أما عن المقاومة الفلسطينية وحماس تحديدا، وما قامت به، فإن القضية الفلسطينية قائمة وملف الدم مفتوح قبل ظهور حماس بأكثر من أربعة عقود، وتؤكد الوقائع أن حماس لا تسيطر على الضفة الغربية، حيث تتواجد السلطة الوطنية الفلسطينية، ورغم ذلك قتلت إسرائيل أكثر من ١٦٠ فلسطينيا فى الضفة منذ اندلاع الحرب الأخيرة، كما أن حماس لا تسيطر على القدس ودائما المواجهات مشتعلة بها.يعلمنا التاريخ أن كل احتلال يفرز المقاومة التى يستحقها وتليق به، فالاحتلال البريطانى للهند أفرز زعيما فى قامة غاندى، وفى مصر مصطفى كامل ثم سعد زغلول وثورة سنة ١٩١٩.الاحتلال الإسرائيلى، الذى لم يحتمل إسحق رابين ولا ياسر عرفات، وتخلص منهما، الأول بالرصاص والثانى كما تردد بالسم، عليه أن يستقبل وينتظر ما بعد حماس والجهاد والشعبية، على الناحية الأخرى، هم يقدمون السلاح ويسعدون ببحيرات الدم عربيًّا ويهوديًّا. البحيرات لن تجف قريبًا. لم تمتلئ بعد.

فلسطين ليست الأندلس حلمي النمنم

اختفت الأندلس من الواقع الإنسانى والسياسى والاجتماعى.. لم يختفِ الاسم فقط، بل اختفى وزال كل شىء، بقى منها بعض الأطلال وبعض المشاهد للذكرى فقط، ولدينا التراث الأدبى والثقافى الأندلسى الذي يذكّرنا بفداحة الخسارة الإنسانية.حين هُزم الجيش العربى أمام جيش فرديناندو وإيزابيلا، بقيت الأندلس.. وحتى حين وقّع آخر الأمراء معاهدة الصلح وغادر بلاده، كان هناك المجتمع والثقافة الأندلسية العظيمة.. حدث الزوال مع التهجير القسرى أو الطرد الجماعى لسكانها.في البداية، فُرض عليهم تغيير دينهم، لكن بقيت ثقافتهم وبقى وجودهم الحضارى.. هنا نشأت محاكم التفتيش لتتتبعهم، وصل الأمر إلى أن من كان يرتدى ملابس بيضاء يوم الجمعة يُتهم ويحاكم.. أخيرا كان القرار المفزع بإجبارهم على مغادرة البلاد نهائيا.. هناك من ذهبوا إلى المغرب وإلى الجزائر وتونس، احتفظوا بتسمية «الموريسكيين»، وهناك من جاءوا إلى مصر بأعداد كبيرة، كانوا مسلمين وكانوا يهودا.الطرد كان من نصيب الاثنين معًا، أحسنَ المصريون استقبالهم فعاشوا واندمجوا، ذابوا وسط المصريين، تمصروا تماما، من هؤلاء كان «أبوالعباس المرسى»، المتصوف الذي أحبه أهل الإسكندرية، وصار من رموزها وأعلامها إلى اليوم. أصدرت عنه مؤخرا الروائية الموهوبة ريم بسيونى روايتها «ماريو وأبوالعباس».ربما كان حظ أهل الأندلس الذين وفدوا إلى مصر أفضل من أولئك الذين ذهبوا إلى بلاد أخرى، خاصةً جنوب فرنسا أو العالم الجديد.. في بعض البلدان قُبض عليهم وعرضوا في أسواق العبيد.. في النهاية، ذابت الأندلس واختفت باختفاء أهلها. أذيب شعبٌ بأكمله واختفى من الوجود، ربما كان ذلك واردًا في العصور القديمة والوسطى ومطلع العصر الحديث.ويبدو أن هناك إصرارًا غربيًا بريطانيًا وأمريكيًا وإسرائيليًا، في المقام الأول، على تكرار النمط نفسه في فلسطين، لكن عبر خطوات ومراحل وأجيال.في العام ١٩٤٧، صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم القارة الهندية إلى دولتين هما: الهند وباكستان، على أن تضم باكستان المسلمين، وتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة لليهود وأخرى للعرب. وكانت بريطانيا تحتل الهند وتحتل فلسطين أو صاحبة الانتداب عليها، كانت بريطانيا قد بدأت في تصفية بعض مستعمراتها عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث أفلت شمسها وتقدمت الولايات المتحدة.. في حالة الهند، حرصت بريطانيا على أن يتم إعلان قيام واستقلال الهند وباكستان قبل أن تخرج من هناك، ورسمت الحدود بين الدولتين بإقناع قيادات ورموز كل جانب من الإمبراطورية، وتم توزيع السكان في بعض مناطق التماس.. طبعا، وقعت مآسٍ ومجازر مع تلك الحركة، لكن في النهاية هناك دولتان معترف بهما، وإنْ عُلِّقت بعض مشاكل الحدود، مثل تلك التي نراها في مناطق عديدة حول العالم.في فلسطين، فعلت بريطانيا العكس، قررت الانسحاب من فلسطين نهائيًا قبل منتصف مايو سنة ١٩٤٨، خرجت بريطانيا دون ترتيب الأوضاع، ودون تنفيذ قرار التقسيم، دون حتى إجراءات تسليم وتسلم... في مصر حين كانت بريطانيا تخرج من مدينة كانت تقوم بعملية تسليم للسلطات المحلية والحكومة الوطنية، فعلت ذلك بعد تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، ثم بعد معاهدة ١٩٣٦، وأخيرا بعد توقيع معاهدة الجلاء سنة ١٩٥٤.في فلسطين، يمكن القول إنهم هربوا وتركوا السكان أبناء الوطن وكذلك المهاجرون اليهود، كانت بريطانيا تعلم أن الأمور متفاقمة وستنفجر حتما في فلسطين، ويبدو أن ذلك ما كانوا يسعون إليه.نظريًا، تركت بريطانيا الفلسطينيين واليهود يواجهون بعضهم البعض، وأشاعوا وقتها أنهم لا يريدون التدخل بين العرب واليهود، يفضلون الحياد.عمليًا، كانت بريطانيا، منذ وعد وزير خارجيتها لورد بلفور سنة ١٩١٧ مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، تدعم بكل قوة ودهاء إقامة دولة إسرائيل وتستبعد إقامة وبناء دولة فلسطين.. منذ العشرينيات، كانت بريطانيا تدعم الهجرات اليهودية الكثيفة إلى فلسطين بذرائع إنسانية، ثم راحت تتحدث منذ سنة ١٩٣٦، قبل الهولوكوست عن تقسيم فلسطين.الآن، وصلنا إلى اللحظة الفاصلة تاريخيا؛ وهى تكرار ما حدث في الأندلس بإزاحة الفلسطينيين جميعًا من وطنهم وبلادهم.. بدأ السيناريو بمذابح وإبادة أكبر عدد منهم لترويع الآخرين.. والحق أن ما يقع اليوم ليس جديدًا. يتحدث بعض المعلقين باندهاش بالغ عن قتل الأطفال والنساء والمذابح في «غزة»، وماذا عن مذبحة دير ياسين وكفر قاسم سنة ١٩٤٨؟.. ماذا عن مقتل الطفل «محمد الدرة» قبل أكثر من عشرين عاما؟.. هل نسينا مقتل زميلتنا «شيرين أبوعاقلة» العام الماضى؟، ونحن في مصر، ألم نعش مذبحة مدرسة بحر البقر الابتدائية أثناء حرب الاستنزاف ونحن أطفال؟.. وقتها ألغت وزارة التربية «الفسحة الطويلة»، خوفا علينا من احتمال وقوع غارات إسرائيلية على المدارس أثناءها. لا أظن أن أبناء جيلى نسوا تلك الأيام.ليتنا ننفض عن ذاكرتنا غبار النسيان وأحاديث السلام المجانى ورومانسية التطبيع.المذابح والمجازر البشرية لم تنجح في دفع الفلسطينيين إلى المغادرة، وبتنا الآن أمام المرحلة الفاصلة وهى الطرد الجماعى أو التهجير القسرى.. الفكرة قديمة، بدأ الحديث عنها بعد حرب ٦٧، لكنها مطروحة للتنفيذ الآن، والهدف أن تستقبل تركيا عدة آلاف، وكذا بعض الدول الإسلامية والأوروبية، وأن تستوعب مصر أكبر عدد منهم، ليس هذا فقط، بل حددوا الشريط الحدودى في سيناء لبناء مخيمات لاجئين لأهل غزة.. مصريًّا، لا نقبل بوجود مخيمات ولا يليق بمصر العظيمة أن تقيم «جيتو» للأشقاء.. الثقافة المصرية الإنسانية لم تسمح يومًا بجيتو على أرضها، نعيش التواصل والانفتاح الإنسانى.. دعك الآن من محاولة العبث بالوطنية المصرية.عمومًا، الدولة المصرية رفضت ذلك قطعيا.. الرئيس عبدالفتاح السيسى أعلنها واضحة، قاطعة: رفض التهجير القسرى ورفض تصفية القضية الفلسطينية. الفلسطينيون أكدوا عبر كل المستويات أنهم لن يغادروا وطنهم، باقون حتى الموت، استوعبوا تجربة حرب ٤٨، الذين غادروا وقتها قيل لهم ثلاثة أيام على الأكثر، حتى تهدأ الأمور وتعودون.. لكن لم يسمح لهم بالعودة إلى يومنا هذا، وتقول إسرائيل إنها لن تسمح لهم ولن تقبل بهم، رغم وجود قرار من الأمم المتحدة بحقهم في العودة.يبدو أن احتفاء المصريين بالأشقاء من السودان والعراق وليبيا وسوريا أغرى بعض قصار النظر والفهم بأنه يمكن إزاحة ٢ مليون فلسطينى. يقولون إن لدى مصر أكثر من تسعة ملايين من الأشقاء.. وهذا صحيح.. لكن هؤلاء جميعًا ضيوف، وإقامتهم في مصر ليست بهدف القضاء على بلادهم وأوطانهم ولا بغرض تذويب وانقراض شعب بأكمله.ما يحدث في غزة وكل فلسطين منذ يوم السبت السابع من أكتوبر يثير بعض المغرمين بفكرة المؤامرة في كل اتجاه. صحيح أن هناك الكثير من المعلومات ليست واضحة، والعديد من التساؤلات بل الشكوك.. كل هذا مشروع.. المعلومات سوف تتكشف، والخفى سوف يظهر ويعلن، لكن القضية الكبرى الآن هي ألا نقبل بوجود أندلس أخرى.. فلسطين ليست الأندلس.. القدس ليست قرطبة.. ولا يصح أن نسمح بذلك وإلا فلا معنى للقانون الدولى ولا حقوق الإنسان ولا معنى للوطن وعصر الحريات والديمقراطية.هنا علينا أن نعمل بكل قوة لدعم صمود وبقاء الشعب الفلسطينى داخل فلسطين بتقديم كل ما هو ممكن.. وأثق بأن القمة العربية المقبلة في الرياض سوف تتخذ خطوات وقرارات في هذا الصدد.علينا كذلك أن نضغط بكل الوسائل المشروعة لإقامة دولة فلسطين، مستقلة وذات سيادة.. الضمان الأقوى لبقاء إسرائيل وأمنها هو وجود دولة فلسطين كاملة السيادة والاستقلال.

بحيرات الدم حلمي النمنم

مَن لديه إحاطة، ولو محدودة، بالثقافة والفكر الغربى يدرك بعض الملامح الأساسية فى ذلك الفكر، بعضها إيجابى وبَنّاء، نعرفه وندرسه، منذ رحلة أو بعثة رفاعة رافع الطهطاوى الشهيرة إلى فرنسا فى زمن محمد على.وفيها كذلك ما هو سلبى ومدمر، من ذلك كراهية عميقة لليهود، اليهود كأفراد ومجموعات بشرية وليس الديانة اليهودية، راجع- مثلًا- شخصية «شيلوك»، المُرابى المجرم فى مسرحية وليم شكسبير «تاجر البندقية». فى عديد من الأعمال الأدبية والفكرية الأوروبية من السهل أن تجد إشارات ازدراء لليهود، ليس من باب التفكه والتندر، بل من باب الكراهية البغيضة والعنصرية المباشرة.فيما بعد، ومع نهاية القرن التاسع عشر، سوف يتم تصنيف ذلك كله تحت اسم «العداء للسامية»، خاصةً أن ذلك الازدراء انتقل إلى الشارع، وربما كان موجودًا من قبل، واقعة الجندى الفرنسى/ اليهودى «دريفوس» كانت كاشفة ودليلًا على ذلك العداء، جرَت الواقعة فى فرنسا، ولم تقع فى مصر ولا شرق «المتوسط».إلى جوار هذه الكراهية، هناك كراهية شديدة للإسلام دينًا ونبيًّا وتاريخًا، ليس صحيحًا أن ذلك مرتبط بحالة «الإسلاموفوبيا»، التى تفشت مع جريمة ١١ سبتمبر وشبح أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة (الإرهابى).الجذر الثقافى قديم، لن نتوقف أمام كثير من أعمال المستشرقين، التى تنضح بالكراهية والخلل العلمى والمعرفى الشديد، لكن هناك أعمال أدبية وفنية كاشفة، مثل «الكوميديا الإلهية» لدانتى، ودون كيخوته للإسبانى سيرفانتس، ومسرحية فولتير الشهيرة عن النبى محمد- صلى الله عليه وسلم- ولما كان الإسلام الأول عربيًّا، ثقافة وفكرًا وحضارة، لذا تجسد ذلك فى كراهية العرب بالمجمل.أولئك الذين صنعوا ذلك التاريخ، خاصة فى حواضره الكبرى، بلاد الشام ومصر والعراق، حيث الدول الأموية والعباسية ثم الفاطمية وكذا الأيوبية والمملوكية، حقبة الحروب الصليبية تجسد تلك الكراهية. جرى معظمها على أراضى فلسطين ومصر، تاريخيًّا حسم أمر تلك الحملات فى مصر وفلسطين، ما بين المنصورة ودمياط والقدس.ما قام به الغرب من إزاحة سكان الأندلس، وكانوا جميعًا من المسلمين واليهود، يعكس ذلك التوجه الثقافى الدفين.مع العصر الحديث، لم تسقط تلك الكراهية، ولكن جرى التعبير عنها بطرق مختلفة، طريقة أودلف هتلر، الزعيم الألمانى، بالتخلص المباشر من اليهود فى أفران الغاز، خلال الحرب العالمية الثانية، وقد ثار نقاش مطول حول عدد مَن أُحرقوا والمواد التى استُعملت، بالمناسبة طُرح هذا النقاش داخل أوروبا أولًا، ثم انتقل إلينا، وهذا لا يؤثر كثيرًا، إحراق مواطن واحد جريمة كبرى، فما بالنا بمَن يحرق ملايين، أيًّا كان الرقم!.كان هتلر عنصريًّا يكره اليهود ويرغب فى التخلص منهم، ولكن على طريقته النازية، أى الإبادة الجماعية.بقية الغرب أو أعضاء ما يسمى «العالم الحر» لديهم نفس الثقافة تجاه اليهود، ولكن بغير الطريقة النازية، لذا قرروا التخلص منهم بطريقة أخرى، وهى إزاحتهم من أوروبا والولايات المتحدة، بلاد الغرب عمومًا إلى بلاد الشرق، بلاد العرب فى فلسطين تحديدًا، حيث قبر ومجد صلاح الدين الأيوبى، وهنا تكون المحرقة للاثنين معًا، اليهود والعرب، ويتخلص الغرب بذلك من الإحن والعقد الثقافية التى تحكمه. يحدث ذلك باسم الحب لليهود والتعاطف معهم، تم اختزال اليهود فى اتباع وأهداف الحركة الصهيونية.قبل وعد بلفور بسنة- ١٩١٦- صدر وعد ألمانى مشابه من قيصر أو إمبراطور ألمانيا «فيلهم الثانى»، نعرفه نحن باسم «غليوم الثانى»، ولما كانت الهزيمة فى انتظار ألمانيا جرى تجاهل وعده من المنظمة الصهيونية والتمسك بوعد لورد بلفور، وزير الخارجية البريطانى.حين صدر وعد بلفور، ثم بدأ تنفيذه مع الانتداب البريطانى على فلسطين، كان واضحًا للجميع أن الدم ينتظر ذلك الوعد، كانت فلسطين مزدحمة بالأهالى، كانت الكثافة السكانية فى القدس وقتها تفوق الكثافة السكانية فى مدينة نيويورك وفق تقرير علمى موثق، لكنهم زعموا أن فلسطين أرض بلا شعب، كانوا يعرفون ويدفعون الأمور نحو القتل والدم، دماء العرب واليهود، كان ممكنًا، بل واجبًا، بذل الجهود لتلافى ذلك بدفع الأمور نحو التعايش والتفاهم فى فلسطين.وكان ذلك يسيرًا، هناك العديد من الشواهد عليه داخل فلسطين نفسها وبين الفلسطينيين، سواء فى القرن العشرين أو قبل ذلك بقرون، ذلك أن أرض فلسطين تضم تاريخًا روحيًّا عميقًا ومقدسات إسلامية ومسيحية ويهودية، من ثَمَّ هى أرض التعايش والتوادّ والتسامح، لكن مع خفة واستسهال، لنقل استهبال، تصير أرض الدماء الغزيرة، وهذا ما جرى العمل عليه مع الانتداب البريطانى، تمت إثارة النفوس وإسالة المزيد من الدماء.ليتنا نتذكر أن فكرة تقسيم فلسطين فى الأصل مقترح بريطانى أُعلن سنة ١٩٣٦، كان ذلك قبل نشوب الحرب العالمية الثانية وقبل توحش هتلر وقيامه بالمحرقة، كان ذلك الاقتراح أحد أسباب الثورة الفلسطينية الكبرى فى السنة نفسها، وبدلًا من تفهم الوضع، أخفت بريطانيا الاقتراح فى الأدراج انتظارًا لفرصة ثانية، أفكارهم ومشروعاتهم لا تموت، يمكن أن تُرجأ فقط.وليس صحيحًا ما يتردد فى الأدبيات العربية، خاصة فى الأيام الأخيرة، من أن الدم تدفق مع قرار التقسيم فى نوفمبر سنة ١٩٤٧ ثم حرب ١٩٤٨ وإلى يومنا هذا.. الدماء تسيل على أرض فلسطين منذ مائة عام. كانت أحداث البراق سنة ١٩٢٩، وقد سبقتها بسنوات صدامات وأعمال عنف حول القدس وفى مدينة الخليل، كل تلك الوقائع كانت تنذر بالخطر القادم، لم يكن اللهب تحت الرماد، بل كان قريبًا جدًّا من السطح، بوادر الاشتعال كانت ظاهرة للعيان، لكن دول الغرب، وفى مقدمتها «بريطانيا العظمى»، دفعت نحو المزيد من التفاقم والدماء. فعلت ذلك عن قصد.واليوم، يجب ألا نندهش من موقف الرئيس جو بايدن، منذ يوم السابع من أكتوبر، تصرف باعتباره طرفًا رئيسًا فى القتال وليس صانعًا ولا راغبًا فى السلام، قدم السلاح والذخيرة إلى إسرائيل، أرسل حاملة الطائرات جيرالد فورد، ثم غواصة نووية إلى ساحل «المتوسط» قبالة فلسطين، أعلن أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، هدد الدول المجاورة من محاولة التدخل فى القتال، يحاول الضغط على الدولة المصرية للقبول بتفريغ غزة من سكانها، ثم فوجئنا بوجود قاعدة عسكرية أمريكية فى صحراء النقب على بُعد ٣٢ كيلومترًا من غزة، تضم القاعدة رادارًا يرصد أى طيران أو صواريخ تحاول أن تتجه نحو إسرائيل، كل هذا، ولا يضغط لوقف إطلاق النار.نصف هذا الجهد أو ربعه كان يكفى لمنع اشتعال النيران، خاصة أن لدى الإدارة الأمريكية قنوات اتصال مع القيادة السياسية لحماس منذ سنوات، تصريحات السفير القطرى لدى الأمم المتحدة واضحة بأن الإدارة الأمريكية طلبت من قطر استضافة قيادة حماس ليسهل التواصل معهم.حتى بعدما وقع يوم السابع من أكتوبر الماضى، كانت هناك طرق أخرى عديدة للرد والردع، لكن الهدف العميق هو الإبادة وإقامة المحرقة للعرب واليهود معًا.سوف تنتهى هذه الحرب، لكن لن تكون آخر الحروب ولا آخر العمليات الدموية، حتى «لابيد»، زعيم المعارضة فى إسرائيل، قال، مساء الخميس، على قناة العربية، إنه مع حل الدولتين، لكن الطريق إليه «طويل وبالغ التعقيد»، أى لا تتوقعوا قيام الدولة الفلسطينية قريبًا، هو استعمل جملة أن حل الدولتين لن يتحقق «فى المنظور القريب». هو تعبير مفتوح، هذا المنظور قد يمتد إلى جيل أو نصف قرن، وربما لقرن آخر.أما عن المقاومة الفلسطينية وحماس تحديدا، وما قامت به، فإن القضية الفلسطينية قائمة وملف الدم مفتوح قبل ظهور حماس بأكثر من أربعة عقود، وتؤكد الوقائع أن حماس لا تسيطر على الضفة الغربية، حيث تتواجد السلطة الوطنية الفلسطينية، ورغم ذلك قتلت إسرائيل أكثر من ١٦٠ فلسطينيا فى الضفة منذ اندلاع الحرب الأخيرة، كما أن حماس لا تسيطر على القدس ودائما المواجهات مشتعلة بها.يعلمنا التاريخ أن كل احتلال يفرز المقاومة التى يستحقها وتليق به، فالاحتلال البريطانى للهند أفرز زعيما فى قامة غاندى، وفى مصر مصطفى كامل ثم سعد زغلول وثورة سنة ١٩١٩.الاحتلال الإسرائيلى، الذى لم يحتمل إسحق رابين ولا ياسر عرفات، وتخلص منهما، الأول بالرصاص والثانى كما تردد بالسم، عليه أن يستقبل وينتظر ما بعد حماس والجهاد والشعبية، على الناحية الأخرى، هم يقدمون السلاح ويسعدون ببحيرات الدم عربيًّا ويهوديًّا. البحيرات لن تجف قريبًا. لم تمتلئ بعد.

فلسطين ليست الأندلس حلمي النمنم

اختفت الأندلس من الواقع الإنسانى والسياسى والاجتماعى.. لم يختفِ الاسم فقط، بل اختفى وزال كل شىء، بقى منها بعض الأطلال وبعض المشاهد للذكرى فقط، ولدينا التراث الأدبى والثقافى الأندلسى الذي يذكّرنا بفداحة الخسارة الإنسانية.حين هُزم الجيش العربى أمام جيش فرديناندو وإيزابيلا، بقيت الأندلس.. وحتى حين وقّع آخر الأمراء معاهدة الصلح وغادر بلاده، كان هناك المجتمع والثقافة الأندلسية العظيمة.. حدث الزوال مع التهجير القسرى أو الطرد الجماعى لسكانها.في البداية، فُرض عليهم تغيير دينهم، لكن بقيت ثقافتهم وبقى وجودهم الحضارى.. هنا نشأت محاكم التفتيش لتتتبعهم، وصل الأمر إلى أن من كان يرتدى ملابس بيضاء يوم الجمعة يُتهم ويحاكم.. أخيرا كان القرار المفزع بإجبارهم على مغادرة البلاد نهائيا.. هناك من ذهبوا إلى المغرب وإلى الجزائر وتونس، احتفظوا بتسمية «الموريسكيين»، وهناك من جاءوا إلى مصر بأعداد كبيرة، كانوا مسلمين وكانوا يهودا.الطرد كان من نصيب الاثنين معًا، أحسنَ المصريون استقبالهم فعاشوا واندمجوا، ذابوا وسط المصريين، تمصروا تماما، من هؤلاء كان «أبوالعباس المرسى»، المتصوف الذي أحبه أهل الإسكندرية، وصار من رموزها وأعلامها إلى اليوم. أصدرت عنه مؤخرا الروائية الموهوبة ريم بسيونى روايتها «ماريو وأبوالعباس».ربما كان حظ أهل الأندلس الذين وفدوا إلى مصر أفضل من أولئك الذين ذهبوا إلى بلاد أخرى، خاصةً جنوب فرنسا أو العالم الجديد.. في بعض البلدان قُبض عليهم وعرضوا في أسواق العبيد.. في النهاية، ذابت الأندلس واختفت باختفاء أهلها. أذيب شعبٌ بأكمله واختفى من الوجود، ربما كان ذلك واردًا في العصور القديمة والوسطى ومطلع العصر الحديث.ويبدو أن هناك إصرارًا غربيًا بريطانيًا وأمريكيًا وإسرائيليًا، في المقام الأول، على تكرار النمط نفسه في فلسطين، لكن عبر خطوات ومراحل وأجيال.في العام ١٩٤٧، صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم القارة الهندية إلى دولتين هما: الهند وباكستان، على أن تضم باكستان المسلمين، وتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة لليهود وأخرى للعرب. وكانت بريطانيا تحتل الهند وتحتل فلسطين أو صاحبة الانتداب عليها، كانت بريطانيا قد بدأت في تصفية بعض مستعمراتها عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث أفلت شمسها وتقدمت الولايات المتحدة.. في حالة الهند، حرصت بريطانيا على أن يتم إعلان قيام واستقلال الهند وباكستان قبل أن تخرج من هناك، ورسمت الحدود بين الدولتين بإقناع قيادات ورموز كل جانب من الإمبراطورية، وتم توزيع السكان في بعض مناطق التماس.. طبعا، وقعت مآسٍ ومجازر مع تلك الحركة، لكن في النهاية هناك دولتان معترف بهما، وإنْ عُلِّقت بعض مشاكل الحدود، مثل تلك التي نراها في مناطق عديدة حول العالم.في فلسطين، فعلت بريطانيا العكس، قررت الانسحاب من فلسطين نهائيًا قبل منتصف مايو سنة ١٩٤٨، خرجت بريطانيا دون ترتيب الأوضاع، ودون تنفيذ قرار التقسيم، دون حتى إجراءات تسليم وتسلم... في مصر حين كانت بريطانيا تخرج من مدينة كانت تقوم بعملية تسليم للسلطات المحلية والحكومة الوطنية، فعلت ذلك بعد تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، ثم بعد معاهدة ١٩٣٦، وأخيرا بعد توقيع معاهدة الجلاء سنة ١٩٥٤.في فلسطين، يمكن القول إنهم هربوا وتركوا السكان أبناء الوطن وكذلك المهاجرون اليهود، كانت بريطانيا تعلم أن الأمور متفاقمة وستنفجر حتما في فلسطين، ويبدو أن ذلك ما كانوا يسعون إليه.نظريًا، تركت بريطانيا الفلسطينيين واليهود يواجهون بعضهم البعض، وأشاعوا وقتها أنهم لا يريدون التدخل بين العرب واليهود، يفضلون الحياد.عمليًا، كانت بريطانيا، منذ وعد وزير خارجيتها لورد بلفور سنة ١٩١٧ مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، تدعم بكل قوة ودهاء إقامة دولة إسرائيل وتستبعد إقامة وبناء دولة فلسطين.. منذ العشرينيات، كانت بريطانيا تدعم الهجرات اليهودية الكثيفة إلى فلسطين بذرائع إنسانية، ثم راحت تتحدث منذ سنة ١٩٣٦، قبل الهولوكوست عن تقسيم فلسطين.الآن، وصلنا إلى اللحظة الفاصلة تاريخيا؛ وهى تكرار ما حدث في الأندلس بإزاحة الفلسطينيين جميعًا من وطنهم وبلادهم.. بدأ السيناريو بمذابح وإبادة أكبر عدد منهم لترويع الآخرين.. والحق أن ما يقع اليوم ليس جديدًا. يتحدث بعض المعلقين باندهاش بالغ عن قتل الأطفال والنساء والمذابح في «غزة»، وماذا عن مذبحة دير ياسين وكفر قاسم سنة ١٩٤٨؟.. ماذا عن مقتل الطفل «محمد الدرة» قبل أكثر من عشرين عاما؟.. هل نسينا مقتل زميلتنا «شيرين أبوعاقلة» العام الماضى؟، ونحن في مصر، ألم نعش مذبحة مدرسة بحر البقر الابتدائية أثناء حرب الاستنزاف ونحن أطفال؟.. وقتها ألغت وزارة التربية «الفسحة الطويلة»، خوفا علينا من احتمال وقوع غارات إسرائيلية على المدارس أثناءها. لا أظن أن أبناء جيلى نسوا تلك الأيام.ليتنا ننفض عن ذاكرتنا غبار النسيان وأحاديث السلام المجانى ورومانسية التطبيع.المذابح والمجازر البشرية لم تنجح في دفع الفلسطينيين إلى المغادرة، وبتنا الآن أمام المرحلة الفاصلة وهى الطرد الجماعى أو التهجير القسرى.. الفكرة قديمة، بدأ الحديث عنها بعد حرب ٦٧، لكنها مطروحة للتنفيذ الآن، والهدف أن تستقبل تركيا عدة آلاف، وكذا بعض الدول الإسلامية والأوروبية، وأن تستوعب مصر أكبر عدد منهم، ليس هذا فقط، بل حددوا الشريط الحدودى في سيناء لبناء مخيمات لاجئين لأهل غزة.. مصريًّا، لا نقبل بوجود مخيمات ولا يليق بمصر العظيمة أن تقيم «جيتو» للأشقاء.. الثقافة المصرية الإنسانية لم تسمح يومًا بجيتو على أرضها، نعيش التواصل والانفتاح الإنسانى.. دعك الآن من محاولة العبث بالوطنية المصرية.عمومًا، الدولة المصرية رفضت ذلك قطعيا.. الرئيس عبدالفتاح السيسى أعلنها واضحة، قاطعة: رفض التهجير القسرى ورفض تصفية القضية الفلسطينية. الفلسطينيون أكدوا عبر كل المستويات أنهم لن يغادروا وطنهم، باقون حتى الموت، استوعبوا تجربة حرب ٤٨، الذين غادروا وقتها قيل لهم ثلاثة أيام على الأكثر، حتى تهدأ الأمور وتعودون.. لكن لم يسمح لهم بالعودة إلى يومنا هذا، وتقول إسرائيل إنها لن تسمح لهم ولن تقبل بهم، رغم وجود قرار من الأمم المتحدة بحقهم في العودة.يبدو أن احتفاء المصريين بالأشقاء من السودان والعراق وليبيا وسوريا أغرى بعض قصار النظر والفهم بأنه يمكن إزاحة ٢ مليون فلسطينى. يقولون إن لدى مصر أكثر من تسعة ملايين من الأشقاء.. وهذا صحيح.. لكن هؤلاء جميعًا ضيوف، وإقامتهم في مصر ليست بهدف القضاء على بلادهم وأوطانهم ولا بغرض تذويب وانقراض شعب بأكمله.ما يحدث في غزة وكل فلسطين منذ يوم السبت السابع من أكتوبر يثير بعض المغرمين بفكرة المؤامرة في كل اتجاه. صحيح أن هناك الكثير من المعلومات ليست واضحة، والعديد من التساؤلات بل الشكوك.. كل هذا مشروع.. المعلومات سوف تتكشف، والخفى سوف يظهر ويعلن، لكن القضية الكبرى الآن هي ألا نقبل بوجود أندلس أخرى.. فلسطين ليست الأندلس.. القدس ليست قرطبة.. ولا يصح أن نسمح بذلك وإلا فلا معنى للقانون الدولى ولا حقوق الإنسان ولا معنى للوطن وعصر الحريات والديمقراطية.هنا علينا أن نعمل بكل قوة لدعم صمود وبقاء الشعب الفلسطينى داخل فلسطين بتقديم كل ما هو ممكن.. وأثق بأن القمة العربية المقبلة في الرياض سوف تتخذ خطوات وقرارات في هذا الصدد.علينا كذلك أن نضغط بكل الوسائل المشروعة لإقامة دولة فلسطين، مستقلة وذات سيادة.. الضمان الأقوى لبقاء إسرائيل وأمنها هو وجود دولة فلسطين كاملة السيادة والاستقلال.

البيان الأول لمركز الفارابي بشأن الجرائم الإسرائيلية في غزة

بسم الله الرحمن الرحيم

وما النصر إلا من عند الله.

إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.

بعد مرور أربعة أسابيع على العملية البطولية الشجاعة التي قامت بها المقاومة الفلسطينية في غزة، التي شكلت صفعة قوية مؤلمة على وجه الاحتلال الاسرائيلي العنصري الغاشم،

فإن مجلس أمناء مركز الفارابي للدراسات، إذ يؤكد على دعمه الكامل والمطلق غير المحدود لجميع القرارات والاجراءات والمواقف التي تقررها الدولة المصرية، وإذ يؤكد على ثقة المصريين في قيادتهم السياسية، ورؤيتها الخاصة بإدارة الأزمة،

وإذ يشجب ويندِّد ويدين بأشد العبارات بالمواقف والصمت الأمريكي والأوروبي بل وتأييدهم الرسمي السافر للجرائم الإسرائيلية الوحشية النازية بحق الفلسطينيين المدنيين،

وإذ يدين عجز جميع المنظمات التابعة للأمم المتحدة عن منع وردع الكيان الصهيوني النازي المحتل لفلسطين، واجباره على التوقف عن ارتكاب جرائمه اللانسانية الرهيبة والفظيعة والبشعة بحق دماء الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى والعجزة الفلسطينيين،

وإذ يعتبر جميع ما قام به الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي النازي الغاشم من جرائم بحق جميع المدنيين الفلسطينيين في غزة وبصفة خاصة ما ارتكبه ولازال يرتكبه من مجازر رهيبة وبشعة من خلال قصف وتدمير المستشفيات والأحياء المدنية والمساجد والكنائس والمدارس بالأسحلة المحرمة دوليًا وعلى رأسها القنابل الفسفورية الحارقة، وقيام المحتل الإسرائلي المجرم بإلقاء 17000 طنًا من القنابل الفتاكة ما يوازي قنبلتين نوويتين،

وإذ يدعو ويطالب محكمة العدل الدولية، وجميع الهيئات والمنظمات الدولية ذات الصلة بمحاكمة القادة السياسيين والعسكريين للإحتلال الإسرائلي الغاشم، في أسرع وقت ممكن بوصفهم مجرمي حرب، مُعادين للإنسانية وحقوق الإنسان،

وإذ يُشيد بالمواقف الشجاعة القوية الجريئة للقوى الدولية والإقليمية المناصرة للحقوق الفلسطينية وعلى رأسه روسيا والصين وتركيا وإيران، وإذ يُقَّدر بصفة خاصة مواقف روسيا والصين داخل مجلس الأمن واستخدامهما حق الفيتو ضد القرارات المجحفة الظالمة التي اتخذته الدولتان داخل مجلس الأمن من جهة، ودعمهما لمشروع القرار العربي بالجمعية العامة للأمم المتحدة،

فإن المركز يدعم ويؤيد ويشيد بقرارت عدد من الدول العربية والأجنبية بشأن الجرائم الرهيبة والفظيعة والبشعة التي يقوم بها الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي الغاشم ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، ويخص بالذكر:

1- مطالبة مجلس النواب الليبي سفراء الدول الداعمة لإسرائيل بمغادرة ليبيا ووقف تصدير النفط والغاز لها.

2- بقرار مملكة البحرين بسحب سفيرها من تل ابيب احتجاجا على العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة فضلا عن قرارها بمغادرة اليفير الإسرائيلي للبحرين، وفي هذا الصدد يؤكد مجلس الامناء أن قرار المملكة بقطع علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل خطوة قوية تدعم الضغوط الدولية والإقليمية والعربية على دولة الاحتلال الصهيونى لوقف العدوان على غزة.

3- قرار المملكة الأردنية الهاشمية بسحب سفيرها من إسرائيل وطرد السفير الإسرائيلي من الأردن.

في هذا الصدد أيضًا، يطالب مجلس أمناء المركز جميع الدول العربية والاسلامية لتفعيل المقاطعة الشاملة مع إسرائيل، وكذلك يؤكد على دعمه التام المطلق للجهود المصرية ووعيه بأبعاد إدارة الدولة المصرية للأزمة وبصفة خاصة قدرتها على الردع وحكمتها في كيفية إدارة وتنسيق المحاور الخاصة بالدور الإستراتيجي المصري.

النصر لفلسطين والحياة للفلسطينيين.

إلى سيناء / حلمي النمنم

حينما احتلت بريطانيا مصر سنة ١٨٨٢، وضعت قيودًا عديدة أمام دخول أى مصرى إلى سيناء، كان من الميسور أن يتحرك المواطن فى أى مكان داخل وطنه، لكن الوصول إلى سيناء كان يحتاج إذنًا كتابيًّا من الحاكم العسكرى لمعرفة سبب الزيارة ومدتها واسم مَن سيقابل هناك، عمليًّا جعل الاحتلال من سيناء أقرب إلى أن تكون منطقة أجنبية، الدخول إليها أو الخروج منها يحتاج إجراءات ومعاناة خاصة.

كان هذا الموقف من سلطة الاحتلال متسقًا مع موقف بعض الرحالة الأجانب وتيار فى الثقافة الغربية، متأثر بالرؤية التوراتية، يعتبر سيناء جزءًا بعيدًا عن مصر وأقرب إلى أن يكون من منطقة الشام الكبرى، كانت مصر بالنسبة لهم هى بالأساس منطقة الوادى والدلتا، لذا لم يكن غريبًا أن يزور «تيودور هيرتزل»- الأب الفعلى للحركة الصهيونية- مصر سنة ١٩٠٧، حيث جاء ليتفاوض على أن تكون سيناء مقرًّا للوطن القومى الذى يبحثون عنه لليهود، طبعًا إلى جوار فلسطين، التى كانوا قد أسسوا فيها بالفعل عددًا من المستعمرات (المستوطنات)، وأخذوا يضعون أسس دولة إسرائيل، فشلت مهمة هيرتزل فى القاهرة، وقوبل طلبه بالرفض القاطع.

وقد لا يعلم البعض أن إسرائيل فى نهاية حرب ١٩٤٨ قررت أن تنقل المعركة إلى داخل مصر، اخترقت إحدى طائراتها الحربية المجال الجوى المصرى، حتى وصلت إلى القاهرة، وحلّقت فوق قصر القبة، مخترقة حاجز الصوت، فى تهديد مباشر للملك فاروق.

فى الوقت نفسه تحركت قوة برية إسرائيلية نحو سيناء، فواجهت عند منطقة العوجة مقاومة باسلة من قوة بالجيش المصرى، كبّدتها خسائر فادحة، وارْتَدّت منهزمة.

من حسن الحظ أن الروائى الشهيد يوسف السباعى وضع روايته «طريق العودة» عن تلك المعركة، قائد تلك المعركة كان صديقًا وزميلًا لـ«السباعى»، صدرت الرواية سنة ١٩٥٦، وحققت نجاحًا أدبيًّا وجماهيريًّا وقتها. المؤسف أن طباعة أعماله توقفت فى السنوات الأخيرة لخلافات بين الورثة والناشر.

خرجت القوات الإنجليزية نهائيًّا من مصر، وانتهى الاحتلال سنة ٥٦، ثم وقع فى السنة نفسها العدوان الثلاثى، كان دور إسرائيل فى الحرب احتلال سيناء، ثم أُجبرت على الخروج منها، مما ولّد العديد من المخاوف التى جعلت دخول سيناء أو الخروج منها مصحوبًا بإجراءات أمنية مزعجة للمواطن، والحق أنه كان هناك مَن نبّه إلى ضرورة تعمير سيناء، وجعلها منطقة جاذبة للسكان.

العالِم الجيولوجى الراحل د. رشدى سعيد أصدر فى عام ٥٧ كتيبًا صغيرًا بعنوان «تعمير سيناء»، قدم فيه تصورًا علميًّا محددًا، يهدف إلى عدم تركها خالية.

حتى حرب الخامس من يونيو ٦٧، حيث أُعيد احتلال سيناء، لم يكن هناك انتباه إلى قيمة وأهمية سيناء سياحيًّا، صحيح أنه كانت هناك شركة بترول سيناء ومشروع المناجم، لكن هذا كله لم يُنْهِ عزلة سيناء، كان هناك بعض المهندسين والفنيين الذين يعملون فترة ثم يعودون، لكن لا توجد حياة مستقرة ولا مجتمع كبير.

بعد حرب أكتوبر، وإتمام تحرير سيناء، لم يتغير الأمر كثيرًا، إهمال سيناء أغرى بعض مهربى المخدرات وتجار البشر بجعل منطقة الحدود فى شمال سيناء مرتعًا لهم، الأمر الذى عرّض الدولة المصرية لأن تكون فى بعض التغطيات الصحفية الأمريكية خاصةً موضع اتهام بالتقصير والعجز عن حماية حدودها، كان ذلك حتى يناير ٢٠١١.

تجاوزت المسألة حدود عصابات التهريب إلى منطقة أشد خطورة، وهى تخطيط ميليشيات الإرهابيين بإقامة ولاية خاصة بهم فى أقصى شمال سيناء، يرفعون عليها راياتهم السوداء، ويُقيمون إمارتهم الخاصة، فى انتهاك مباشر للسيادة المصرية، فى نفس اللحظة تقريبًا ظهرت لدى إسرائيل فكرة اقتطاع نفس الجزء من سيناء وضمه إلى غزة لإقامة ولاية غزة الكبرى بديلًا عن إقامة الدولة الفلسطينية، ويبدو أن هناك آخرين غيرهم كانوا يتبنون تلك الفكرة.

حلم إقامة ولاية الراية السوداء تصَدّت له الدولة المصرية، قدمت القوات المسلحة المصرية منذ سنة ٢٠١٣ ثلاثة آلاف الشهداء لاجتثاث الإرهاب والإرهابيين من تلك البقعة فى أقصى شمال سيناء، آلاف الشهداء، أحدهم هو العقيد أحمد المنسى وجنوده، أبطال «عملية البرث»، صيف سنة ٢٠١٧.

حلم ضم جزء من سيناء إلى غزة تراجع، وظهر مكانه مشروع تهجير مليون مواطن من سكان غزة إلى تلك المنطقة بزعم أنها «صحراء واسعة». سمعنا ذلك بصوت مرتفع منذ بدء عملية «طوفان الأقصى».

الفراغ والتصحر يُغريان المهربين والإرهابيين والطامعين والمحتلين والمتربصين والأعداء والكارهين، وهم كثر.

حين قرر سليم الأول غزو مصر واحتلالها، كانت ذريعته أن الحجاج الأتراك أثناء مرورهم فى سيناء اعترضهم بعض اللصوص، الذين سرقوهم وقتلوا بعضهم. الفراغ يثير لعاب الكثيرين، الآن الحلم هو دفع مليون مواطن فلسطينى إلى سيناء، حيث تكون وطنًا بديلًا.

والواضح أن قيادة الدولة كانت متحسبة لذلك، ولديها تصور بكافة الاحتمالات، لذا وجدنا خطة تنموية ضخمة لسيناء فى مشروع (مصر ٢٠٢٠- ٢٠٣٠)، تمت توسعة وتجديد ميناء العريش البحرى ليكون صالحًا لاستقبال السفن الضخمة وربطه بمشروع تنمية قناة السويس، وكذا الحال بالنسبة لمطار العريش، فضلًا عن شبكة ضخمة من الأنفاق تحت القناة من سيناء وإليها وشبكة طرق حديثة. إلى جوار ذلك عملية تنمية زراعية وصناعية شاملة، رصدت الدولة أكثر من ستمائة مليار جنيه لتلك الخطة.

من باب التنطع السياسى وليس المعارضة، واجهت الدولة فيضًا من الهجوم والاتهام بالإنفاق غير الرشيد لأنها أقدمت على تلك المشروعات فى سيناء شمالًا وجنوبًا، وكانت هناك مطالب بإعادة النظر فى ذلك الإنفاق.

إسرائيل تريد دفع مليون مواطن من غزة إلى سيناء، الدولة المصرية رفضت وحذرت، وزير الخارجية الأمريكى «بلينكن» فى لقائه مع الرئيس السيسى قال إنه سمع من قادة المنطقة رفضًا لتلك الفكرة، وهذا يعنى أن الأمر كان مطروحًا لدى الخارجية الأمريكية، ومن ثَمَّ البيت الأبيض ذاته.

خبرتنا بالسياسة الغربية عمومًا، أوروبيًّا وأمريكيًّا، أن الأفكار والمشروعات لا تموت ولا تفنى، يمكن أن تكمن سنوات، وربما عقودًا، ثم يُعاد تدويرها، بتعديل الاسم وتغيير الصياغة.

الرفض الصارم مصريًّا على مستوى رئاسة الجمهورية والدولة كلها والتضافر الشعبى رائع، يتناغم ذلك مع رفض عربى رسمى وشعبى، ثم رفض فلسطينى تام سواء من السلطة الوطنية أو من حماس. رئيس المكتب السياسى إسماعيل هنية قال: «قراركم قرارنا فى هذا الأمر»، أما الرئيس محمود عباس فقد رفض ذلك تمامًا حين طرحه عليه د. محمد مرسى، وأعاد تجديد هذا الرفض الأسبوع الماضى.

إلى جوار هذا الموقف الصلب رسميًّا وشعبيًّا، نحتاج خطوات أخرى إضافية، أهمها أن نعمل فورًا على بناء مجتمع ضخم فى تلك المنطقة، مليونى العدد، نبدأ بمليون مواطن ومواطنة خلال خمس سنوات، ونحن كمصريين لدينا خبرة واسعة فى تاريخنا الحديث والمعاصر فى بناء المجتمعات والمدن.

مدن القناة بُنيت جميعها حديثًا. القاهرة ذاتها، حتى مجىء محمد على، كانت تقبع داخل حدودها الإسلامية، أحياء مثل العباسية ومصر الجديدة ومدينة نصر والزمالك وجاردن سيتى، فضلًا عن «وسط البلد» وغيرها، كلها بُنيت حديثًا، لن أتحدث عن مدن، مثل 6 أكتوبر والعاشر من رمضان وغيرها، كلها وُضعت أول (طوبة) فيها زمن الرئيس السادات، هل لنا أن نؤسس مجموعة من المدن والمجتمعات السكنية وما تقتضيه من وحدات خدمية وإنتاجية فى تلك المناطق، التى يشير إليها بعض الإسرائيليين بطمع شديد، قائلين إنها «صحراء واسعة»؟.

نحن نستطيع، ويجب أن نفعل.

المصدر : مصرى اليوم

دكتور مدحت حماد*: “مستقبل أمريكا والغرب” في الشرق الأوسط بعد إشعال فتيل “الحرب الدينية”؟

أمريكا الراعي الرسمي الرئيسي لحالة الجنون الإسرائلية المصاصة لدماء الفلسطينيين

بعد الجريمة الإسرائيلية النازية الفاشستية البشعة والمجزرة الرهيبة التي شهدتها كنيسة الروم الأرثوذكسية واستشهاد ستة عشر مسيحيًا فلسطينيًا، وبعد الفيتو الأمريكي في اجتماع مجلس الأمن أمس الخميس 19أكتوبر202 بشأن السماح بدخول مساعدات الإغاثة للفلسطينيين، أصبحت منطقة الشرق الأوسط برمتها تعيش على برميل وقود ملتهب وفي حالة غليان، حيث باتت أمريكا بمثابة الراعي الرسمي الرئيسي لحالة الجنون الإسرائلية المستعرة المصاصة لدماء الفلسطينيين، وهو الأمر الذي أدى بدوره إلى اشتعال الغضب العربي الإسلامي بل والعالمي، ضد المجازر الإسرائيلية اليومية المرتكبة بدماء باردة من جانب العصابات الصهيونية التي تحكم في تل أبيب وواشنطن.

مما لا شك في أن هذه التحولات والمستجدات غير المسبوقة على مدار عمر كيان الاحتلال الإسرائيلي، سوف تقود المنطقة إلى تغيير جذري في معادلات التوازن والردع بين إسرائيل وبين جميع المحيطين العربي والاسلامي الذي يقيم بداخله كل مَن يعيش فيما يُعرف بإسرائيل. فلا أحد بمقدوره الآن أن يتوقع إلى أين ستذهب وستصبح الأمور وكيف سيكون مستقبل شرق المتوسط بعد الآن.

نحن أمام حالة اصطفاف اقليمي دولي غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.

إن العودة العسكرية النوعية الأمريكية لشرق المتوسط، وما رافقها من وصول قطع بحرية استراتيجية بريطانية، تكشف هي الأخرى، عن غموض وغيوم بات يلوح في الأفق الخاص بمستقبل منطقة شرق المتوسط. فإذا ما أضفنا الوجود العسكري النوعي الإستراتيجي الروسي والإيراني المتحقق فعليًا في شرق المتوسط عقدين على الأقل، نصبح أمام حالة اصطفاف اقليمي دولي غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.

الحقيقة أن اختلاط دماء الشهداء الفلسطينيين بين ما هو إسلامي وما هو مسيحي في عملية الإبادة العرقية الممنهجة من جاب الكيان الإسرائيلي المتغطرس بمباركة أمريكية بريطانية، إنما تذكرنا بمشاهد الحروب الصليبية التي إنتشرت في الأفلام السينمائية، التي انتهت جميعها بنهاية واحدة، هي النهاية التاريخية التي حدثت، ألا وهي هزيمة الصليبيين وطردهم من شرق المتوسط، ليعودوا من حيث أتوا، وهي نفس النهاية التي باتت تقترب أكثر فأكثر فأكثر عما كانت عليه الأمور قبل السابع من أكتوبر 2023.

تداعيات زوال وأفول الهيمنة الأمريكية.

مما لا شك فيه أن وقت رحيل أمريكا _كما نعتقد_ هو نفسه، وقت هزيمة الصهيونية في الشرق الأوسط ومن ثَمَّ زوال الكيان الصهيوني الوقح، المعروف إعلاميًا بإسرائيل. عندئذ، لن يصبح لأمريكا موطئ قدم ليس فقط في شرق المتوسط، إنما في معظم أرجاء الشرق الأوسط، وخصوصًا غرب آسيا. هنا نفقط سيبدأ فعليًا العد التنازلي لزوال وأفول لسي فقط الوجود والهيمنة الأمريكية في العالم فحسب، إنما سيصاحب ذلك زوال وأفول الهيمنة الأوروبية الغربية على العالم بأسره، وهو الذي سيكون زوالاً مركبًا.. أي زوال سياسي، اقتصادي، عسكري، أمني، علمي وثقافي.

نحن بصدد حدوث فراغ إستراتيجي لم يحدث في الشرق الأوسط منذ خمسة قرون.

هذا الأمر يعني أنه يجب علينا أن نضع تصورات وسيناريوهات لما بعد زوال النفوذ والهيمنة الأمريكية الأوروبية من الشرق الأوسط. حيث سنصبح أمام فراغ إستراتيجي لم يحدث في المنطقة منذ خمسة قرون. إذ أن السؤال المركب هو: من الذي سيحل محل أمريكا. ومن الذي سيحل محل بريطانا وفرنسا وألمانيا؟ أي الدول الإقليمية هي التي ستشارك في اعادة رسم وصنع خريطة النفوذ والتحالفات الإقليمية وكيف ستفعل ذلك؟ كيف ستتم صياغة العلاقات بين القوى الإقليمية وبين القوى الدولية التي ستحل محل أمريكا، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا؟ ووفق أي أسس سيتم ذلك، ولمن ستكون القيادة؟ وفي أي من الأٌطر ستُصَاغ "هذه" (نعم أقصد: "هذه" وليس "تلك".) التحالفات الجديدة؟

"طوفان غزة السابع من أكتوبر" هو مهر و ثمن التغيير الجذري في قيادة وأدارة العالم.

الواقع أن عملية "طوفان غزة السابع من أكتوبر" هي بمثابة "الحدث التاريخي المُنشئ" لواقع ولعالم شرق أوسطي جديد، وبالتأكيد لن تذهب دماء الشهداء الفلسطينيين هدرًا، فهي بمثابة المهر أو الثمن "الديني الشرعي" الذي يجب دفعه من أجل تحقيق هذا التغيير الجذري في قيادة وإدارة العالم.

إذًا: هل تدرك الحكومات العربية هذا؟ وهل تتوقع؟ بل هل تريده؟ وكيف تديره أو ستديره؟ أم إنها ستبقى كما هي أسيرة القناعات التي لازالت تقول بأن "النظام العالمي القائم بعد الحرب العالمية الثانية، لم يسقط بعد؟"

  • أستاذ الدراسات الإيرانية والخليجية بجامعة طنطا،
  • مدير مركز الفارابي للدراسات السياسية والإستراتيجية.

الأرشيف