د. محمد السعيد إدريس يكشف: هندسة أمريكية جديدة للشرق الأوسط.
د. محمد السعيد إدريس
مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

توماس بّراك السفير الأمريكى لدى تركيا: لا يوجد شرق أوسطـ، وإنما قبائل وقرى ودول قومية أنشأها سايكس – بيكو.
فى مداخلة بدت غريبة على آذان من استمعوا إليها، رغم أنهم كانوا من كبار المسئولين الأمريكيين لكونهم أعضاء فى الكونجرس الأمريكى، فاجأ توماس بّراك السفير الأمريكى لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، والرجل الذى يصول ويجول فى إدارة القرار اللبنانى، هؤلاء «المشرعين» أعضاء الكونجرس (26/9/2025)، بنفيه وجود ما يسمى «الشرق الأوسط»، ونفى ما يسمى «دولًا» بهذه المنطقة، وقال إن «ما يسمى الشرق الأوسط يدار من خلال القبائل والقرى والعائلات والطوائف لا من خلال الدول القومية الحقيقية»، ومشيرًا إلى اتفاقية «سايكس – بيكو، لعام 1916 كأصل لتخليق الدول الحالية وترسيم حدودها»، ما يعنى أن هذه الاتفاقية «اللعينة» التى ولدت من رحم الحرب العالمية الأولى وتدمير «الإمبراطورية العثمانية» هى أصل الدول الحالية وليست أصل الداء والوباء، الذى ألم بالوطن العربى. وقال للصحفيين أمام البيت الأبيض «لا يوجد شرق أوسطـ، وإنما قبائل وقرى ودول قومية أنشأها سايكس – بيكو.. أعتقد أنه يجب ألا نتحدث عن 27 دولة، لأن الواقع الحقيقى هو 110 مجموعات اثنية».

«إذا كانوا لا يتقبلون كلمة (إخضاع) نقول لهم: ولايهمكم نسميها ازدهارا»!!
توماس برّاك (الذى ترجع أصوله إلى لبنان) لم يكتف بذلك، وهو شديد الانشغال بنزع سلاح المقاومة فى لبنان، كشرط مسبق لأى حديث عن دعم مالى للبنان (عربى أو دولى)، وأى حديث عن انسحاب إسرائيلى من المناطق التى تحتلها قوات جيش الاحتلال الإسرائيلى فى جنوب لبنان، أو وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، تورط فى كشفه لـ «جوهر السياسة الأمريكية فى الوطن العربى» وهو «ضم مناطق إلى إسرائيل»، سواء كانت هذه المناطق فى الضفة الغربية الفلسطينية أو لبنان أو سوريا. وفى استخفاف منه بالعقول والمشاعر العربية التى أدرك فداحة وقع مصطلح «الضم والإخضاع» عليها، قال لمستمعيه: «إذا كانوا لا يتقبلون كلمة (إخضاع) نقول لهم: ولايهمكم نسميها ازدهارا».
هذا الإدراك الأمريكى يجب ألا يغيب عن العقل العربى وهو شديد الانشغال بـ «مآلات خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب» لما يسميه «السلام فى الشرق الأوسط» أحيانًا، أو بتحرير الأسرى الإسرائيليين خاصة فى ظل التطورات المتسارعة والمتلاحقة، منذ إعلان حركة المقاومة الإسلامية «حماس» مساء الجمعة الماضى (3/10/2025) ردها على «خطة ترامب»، وتعليق الرئيس ترامب على هذا الرد بعد ساعات من تسليم حركة «حماس» ردها للوسطاء (مصر وقطر وتركيا) الذى قبل فيه هذا الرد، وأعرب عن اعتقاده أن «حماس مستعدة للسلام»، وطالب إسرائيل بالتوقف عن قصف غزة، خاصة أن رد حركة «حماس» كشف أنها «مستعدة للإفراج عن جميع الرهائن بموجب خطته لوقف إطلاق النار فى قطاع غزة».
أى علاقة تربط بين المفاهيم «المغلوطة» التى تحدث بها توماس باراك، وبين خطة الرئيس دونالد ترامب الخاصة بقطاع غزة؟
أى علاقة تربط بين المفاهيم «المغلوطة» التى تحدث بها توماس باراك، رجل ترامب فى المشرق العربى، عن العرب والدول العربية، وبين خطة الرئيس دونالد ترامب الخاصة بقطاع غزة؟. هذا السؤال يفتح أمامنا الأبواب الواسعة لعشرات من الأسئلة الأخرى>

أولها: لماذا تحمس ترامب لطرح هذه الخطة وفى أى ظروف؟ وماذا يريد ترامب من وراء فرض هذه الخطة.. هل يريد فقط وقف الحرب فى غزة، أم يريد ما وراء وقف هذه الحرب، وبالتحديد الأدوار الأمريكية الجديدة فى المنطقة، سواء موضوع فرض أمريكا «حاكمًا» للمنطقة، وليس إسرائيل وحدها على نحو ما كان بنيامين نيتانياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى يحلم بفرض «نظام إسرائيلى للشرق الأوسط» تحكمه إسرائيل بالقوة العسكرية.
لماذا كان الرئيس الأمريكى شديد الانفعال فى تهديد حركة «حماس» بل والمنطقة كلها إذا لم تقبل بخطته؟
وثانيها: لماذا كان الرئيس الأمريكى شديد الانفعال فى تهديد حركة «حماس» بل والمنطقة كلها إذا لم تقبل بخطته باستخدام القوة المفرطة، القوة الأمريكية وليس فقط القوة الإسرائيلية؟ فقد أكد ترامب قبل ثلاثة أيام من إصدار حركة «حماس» ردها على خطته، وبالتحديد يوم الثلاثاء (30/9/2025) أن «الجيش الأمريكى قد يضطر للتدخل فى حال فشل تسوية الوضع فى الشرق الأوسط»، وقال فى حديثه لكبار ضباط الجيش الأمريكى «سنسوى الوضع فى الشرق الأوسط»، وزاد «سنراقب الجزء المتقلب من العالم فى الشرق الأوسط.. وسنعمل على إبقائه هادئًا، حتى لا يضطر الجيش الأمريكى للتدخل».

ثالثها: ما هى العلاقة بين التركيز على فرض الاستجابة لخطة الرئيس ترامب الخاصة بقطاع غزة وبين هذا الحديث عن الحرب؟.. ولماذا غير الرئيس ترامب من بنود خطته بعد اللقاء الذى تم فى واشنطن بين نيتانياهو ومستشارى الرئيس، الأمر الذى أكده وزير الخارجية الباكستانى «محمد اسحق دار» (3/10/2025). الأمر التنفيذى الذى أصدره الرئيس الأمريكى، الذى نص على أن «أى هجوم على قطر تهديد لأمريكا»، يكشف عن بعض خيوط الترابط بين خطة ترامب الخاصة بتسوية الأزمة فى غزة، وبين التلويح بدور عسكرى أمريكى جديد فى الشرق الأوسط.. وهنا يجدر التساؤل عن احتمالات شن عدوان أمريكى – إسرائيلى على إيران، ومقايضة أمريكا بتسوية أزمة غزة بدعم عربى لمثل هذا العدوان، خاصة بعد إعلان روسيا دخول «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الروسية – الإيرانية الشاملة» حيز التنفيذ، واعتبار ذلك «علامة فارقة فى تاريخ العلاقات بين البلدين»، كل هذه الأسئلة تكشف عن شىء محدد، رغم غموضه، هو أن «خطة ترامب» وجهود تسوية الأزمة فى غزة، كما أنها لم تنبت من فراغ، وأنها وليدة التحولات الشديدة الأهمية فى الموقف الدولى لمصلحة قضية فلسطين، فإنها ليست معدومة الأهداف، بل إنها لبنة أمريكية جديدة فى إعادة هندسة الخرائط فى الشرق الأوسط من منظور دور أمريكى جديد، فى وقت تتآكل فيه المكانة الأمريكية عالميًا، وتتفاقم فيه الأزمات الداخلية، ويزداد فيه السخط الدولى على السياسة الأمريكية، لانحيازها المطلق لإسرائيل.
